الإعجاز الاقتصادي للقرآن في تحريم الخمور // أحمد غزالة – مصر

=

 

أصدقائي القراء في الوطن العربي  ،أتـناول معكم في هذا المقال اجتهاداً في قراءة بعض النصوص القرآنية الخاصة بتحريم الخمور ، ولكن ليس تناولاً فقهياً بعباءة رجل الدين ، ولكن أتناولها بعباءة وفكر رجل الاقتصاد الذي اعتنى كثيراً بمفهوم الاقتصاد الإسلامي وتخصص في هذا العلم الذي يستمد أصوله من القرآن والسنة ،

وهذا يؤكد لنا على حقيقةً دامغة أن شريعة الإسلام قدمت لنا منهاجاً لجميع جوانب الحياة ومنها الجانب الاقتصادي موضوع اهتمامي ، فـببحثي حول أحوال العرب قبل الإسلام وجدت أن تجارة الخمور كانت هي التجارة الرائجة في قريش وكانت من مصادر الدخل الهامة للتجار وكانت تحقق لهم أرباحاً كثيرة ، وكان يعمل بها معظم التجار ، وكان تناولها عادةً أصيلة لدى الناس بل كادت أن تكون مشروباً اعتيادياً للناس قبل الإسلام ، فلما جاءت شريعة الإسلام لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ، ونزل القرآن الكريم بأحكامه الفقهية المتنوعة والمتدرجة ، ولما نزلت نصوص تحريم الخمور وبعيداً عن جوانب تحريمها من الناحية الفقهية فليث هذا موضوع حديثنا ، فقدمت لنا تلك النصوص إعجازاً اقتصادياً نتعلم منه ككتاب في الفكر الاقتصادي أدبيات محاربة الأسواق الفاسدة والتجارات المحرمة ، فلما جاء النص القرآني في سورة البقرة (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ) ، وكان هذا النص في المراحل الأولى لتحريم الخمور والمتأمل لهذا النص يجد أن الآية تعاملت مع سوق تجارة الخمور في قريش بحكمة بالغة ، فخاطبتهم بما يتناسب مع أحوالهم في تجارة الخمور ،

فكانت تحقق لهم الخمور مكاسباً كثيرة فلم تنكر الآيه ذلك عليهم وأخبرههم النص القرآني أن فيها منافع للناس ، ولم تُحرم الخمور بالكلية ، وإنما حرمتها جزئياً ، فأوضحت لهم أن فيها  إثم كبير ومنافع للناس ، ولكن الإثم أكبر من النفع ، وتركهم القرآن على ذلك فترة من الزمن ، وكانت هذه الآيه هي البداية الحقيقية لتأثر سوق الخمور ، حيث كان على العقلاء من الناس في ذلك الوقت تجنب شراء الشىء الذي ضرره أكبر من نفعه ، ومن هنا ينخفض الطلب على الخمور فتقل بذلك تجارتها تدريجياً وتنخفض مبيعاتها ، وهذا يدفع التجار للتراجع النسبي عن الاستثمار في هذه التجارة لتراجع الطلب على منتجاتها ،

ثم نزل بعد ذلك النص القرآني في سورة النساء (  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) والمتأمل معي لهذا النص يجد أنه حرم شرب الخمور تحريماً صريحاً ولكن في أوقات الصلاة فقط ، ومن هنا تراجع الطلب على الخمور بصورة أكبر ؛ لأن شربها أصبح بعيداً عن أوقات الصلاة فقط ، ونجد أن صلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء متقاربة ، فتعود الناس على شربها بعد العشاء ، ومن هنا استطاع القرآن أن يصرف الناس عن عادة أصيلة لديهم ولكن بصورة تدريجية حتى أصبح تناولها أقل بكثير مما كانت عليه قبل نزول هذه الآيات ، وهذا انعكس تدريجياً على أسواق الخمور وتجارتها ، فاستطاع القرآن بذلك أن يحول التجارة الرائجة في قريش  إلى تجارة كاسدة قبل تحريمها بشكل كامل ،

وبعد أن تهيأت النفوس لتقبل تحريم الخمور وتقبل السوق أيضاً منع هذه التجارة التي تأثرت تدريجياً بنصوص القرآن فيأتي بعد ذلك النص الأخير في تحريم الخمور والذي حرمها تحريماً كلياً في سورة  المائدة (يَـأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنصَابُ وَالأزلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ) ،

وهنا نجد أن القرآن الكريم بعظمته قد أرجأ التحريم القطعي للخمور حتى تتهيأ النفوس وتستعد الأسواق لمنع هذه التجارة أولاً بالنصوص السابقة ، والتي نٌسخت بهذا النص الأخير ، ليظهر لنا القرآن إعجازاً اقتصادياً من جوانب إعجازة المتعددة  ، لنتعلم منه في فكر الاقتصاد عن آليات وأدبيات محاربة الأسواق الفاسدة والعادات المتأصلة ، وإلى اللقاء مع القارىء العربي في كتابات لاحقة إن شاء الله                                .                                                      

    أحمد غزالة مصر
كاتب،وخبير اقتصادي                              . 
                                                      

التعليقات مغلقة.

مقالات ذات علاقة