العرب بين الواقع المر والحنين إلى الماضي// د.منصور محمد الهزايمة

=

تزايدت في الآونة الأخيرة المنشورات والصور التي تبرز الحنين إلى الماضي لدى العرب في كل أقطارهم، أي أنهم باتوا يلوون أعنة خيلهم إلى الوراء، ويتغنون بماضيهم أكثر مما يمسكون بحاضرهم، أو يتطلعون إلى مستقبلهم، لعلهم يقتبسون منه ما يمكن أن يكون محل فخرٍ واعتزاز، وربما لا أبالغ إذا قلت إن ذلك الشعور يجتاح العرب بلا استثناء، فهذه صور مدنهم وعواصمهم بمبانيها الجميلة، وشوارعها النظيفة، ووسائل النقل فيها، تستثير فيهم الحنين لذكريات فاتت وانقضت.بإمعان النظر في هذه الصور، قد نرتاب في صحة بعضٍ منها، ونؤكد صحة الكثير منها، فاليوم بتنا نعيش التوثيق بالصوت والصورة، الذي يُمكّن في الوقت نفسه من التزييف المبني على جهل الكثيرين بالتاريخ، فالصورة يمكن ان يُعبث بها لتعبر عن مضمون لا يتعلق بها، لكن أيضا قد تتضمن ما لا يمكن التشكيك به. لا شك أن حكاية العربي في شتى الديار وعلى امتداد الوطن الكبير توجع القلب، إذ بات يضع نفسه ووطنه اليوم في موضع المقارنة الموضوعية بين حاضره وماضيه، ومع كثير من الدول والأمم من حوله، التي طالما اعتقد أنه كان يجب أن يطاولها؛ قامةً وكبرياء، ثقافةً وحضارة، تقدما ونهضة، ليجد نفسه خارج السياق أو السباق.ما أن يتأمل الإنسان العربي نهضة الأمم من حوله، ويرى بلاده تتوسط الكوكب، وفي القلب منه، بينما الأخرون يحتلون أطرافه؛ شرقا وغربا وشمالا، وكلهم أصابوا نصيبا من التقدم والتنمية، عندها يصاب العربي باليأس والإحباط، لما آلت اليه حال بني قومه في شتى ربوعهم، الذين ما زالوا يرزحون تحت جاثوم الفقر والفساد والاستبداد.هاهم أمامنا، ونحن أمام أنفسنا، وجها لوجه، نرى بأم أعيننا الفرق بيننا وبينهم في مختلف جوانب الحياة، بين ما تحقق لديهم، وتخلف لدينا، وبالمقارنة الموضوعية نجد أن المقدمات عندنا وعندهم كانت متشابهة، لكننا ما زلنا نعيش مشاكلنا بذات الجوهر، واختلاف المظهر، ليس إلاّ، فقضايا الفكر السياسي-مثالا- ما زالت تراوح مكانها؛ الديمقراطية، والإصلاح، والتوريث، وقوانين الانتخاب، وصناديقها، والعبث بالقانون والدستور، وتداول السلطة، بل وتشبث الزعيم بالكرسي حتى الممات، فما زالت هذه القضايا تشكل عقبةً كأداء في وجهنا، تشل حركتنا أينما اتجهنا، بل-ويا للعجب- لا زالت سوق الانقلابات لدينا منتعشة، وننشد من خلالها التغيير، ورحم الله ابن خلدون إذ يقول: آفة العرب الرئاسة.تمتد أمة العرب في قارتين عظيمتين؛ حجما وثقافة وتاريخا في آسيا وأفريقيا، وكانت آسيا-تحديدا- بعظمتها محط الآمال والتوقعات أكثر من باقي القارات، حيث نهضت فيها العديد من الدول والشعوب بعد أن مرّت بظروف شبيهة لما نحن فيه، لكنها تجاوزت التحديات وقامت بثورات اجتماعية واقتصادية جعلها تصنع المعجزات، وها هي الصين واليابان وماليزيا والهند وما سمي النمور الأسيوية الأربعة؛ كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان وهونغ كونغ تثبت تفوقها، لكنّ الصين خاصة، وفي ظل أزمة كورونا، وما بعدها، وبالتنافس مع الهند أو المشاركة معها، تتحزم اليوم بسياسة ناعمة، ربما تفضي إلى عالم جديد، أو تعيد إلى الشرق إشراقه.مما يُستشهد به ويستثير فينا الحنين أن النهضة اليابانية ومثيلتها المصرية كانتا متقاربتين، وبدأتا معا في عهدي محمد علي باشا والامبراطور الياباني ميجي، بل كانت الثانية تتقدم على الأولى، وكان اليابانيون يتطلعون بحماس لتجربة مصر، لنشهد اليوم المقارنة ونتحسر، لما انتهت اليه الحال، فالأولى فاقت التوقعات، والثانية فشلت في شتّى التوقعات، وبقيت مشكلات مصر كما باقي العرب تتمثل في ثلاثي الجاثوم، بينما مشكلات اليابان اليوم ناتجة عن التقدم المبهر.من يحنّ للماضي، ويستقرئ التاريخ، يصنع ذلك من زاوية أن احداث الحاضر لا بد وأن وقع مثلها في الزمن الماضي، وبالتالي لا بد من أخذ العبرة مما وقع، لتحسين الواقع، واستشراف المستقبل، لكن أمتنا علقت في ماضيها، ولم تتمكن من مغادرته منذ عهد الحسين ويزيد، فما زال مستقبل الأمة يقبع وراءها.اليوم يتجاور العرب مع أقوامٍ يتفاعلون معهم في الإقليم، لكنّ هولاء استطاعوا أن ينهضوا، ويصنعوا كبرياءً وطنياً مثل إيران وتركيا، فالتجارب الحاضرة أمام العربي تشخص برأسها، تدعوه إلى التأمل والتفكر، لكنه عندما يرجو أن تضع بلاده قدمها جنبا إلى جنب مع هذه التجارب، فإنه يُتهم بالجهل، وبأنه يرغب بأن يعيد الأمة إلى الوراء، بل أن الشعوب لم تشب عن الطوق بعد.إن الحنين إلى الماضي على الصعيد الشخصي مبرر، ينبع من أن الانسان بطبعه يميل لمن يعرف، وللأشياء المألوفة لديه، لكنه يتوجس من الغريب، فالإنسان عدو ما يجهل، والأجدد دائما عدو الجديد، ولذلك تأصيل علمي على مستوى الفرد، لكنه غير مبرر للأمة أن تبقى تعيش على ذكريات وشجون الماضي، لا يتغير حالها إلاّ ضمن التطور الطبيعي.يحقق العربي الإنجاز كفرد، ويستحق أن يكون في أحسن حال، خاصة في ظل أسباب النجاح من موقع، وثروة، وحضارة، وقوة ناعمة، لكنّ المجموع فاشل، بينما قد يكون الفرد لديهم أقل شأنا شرقا وغربا، لكنّ المجموع عندهم ناجح، فالعربي يفخر بقيمته وكرامته ونجاحه، لكنه لا يفلت من الفشل العام.أمّا عن الانقلابات فما زلنا مبتلين، وما زال وقعها يجثم على صدورنا، فهي بمثابة ريحٍ صرصرٍ عاتية، تقتل النبتة التي طالما رعيناها، انتظارا لقطف ثمارها، لتأتي هذه الريح وتقتلعها من جذورها، فتردنا إلى البداية، ونبقى عالقين في دائرة الفشل، وما تقدمت الشعوب والأمم إلاّ عندما صدّت هذه الحركات الهوجاء، بل وقامت بمحاسبة القائمين عليها.الدوحة – قطر

التعليقات مغلقة.

مقالات ذات علاقة