الميراث والتركات بين عدالة الشرع… وسوء التطبيق في مجتمعنا/ د. رياض خليف الشديفات

=في أكثر من مناسبة ولقاء مع الناس أشار عليً بعضهم بالكتابة في موضوع الميراث من باب النصيحة، والوعظ، والتذكير بأهمية الحقوق في الحفاظ على سلامة العلاقات بين أفراد المجتمع في بلادنا، ومن باب رد الحقوق إلى أصحابها، ومن الأمانة في إيصال الحق لأهله، ولا شك أن قضايا الميراث تشكل قضايا حساسة وهامة في المجتمع الأردني بشكل خاص، وفي المجتمعات الإسلامية بشكل عام، ونظراً لأهمية الموضوع أقول ما يلي:– لم يترك القرآن الكريم والسنة النبوية قضايا الميراث والتركات لهوى الناس ورغباتهم؛ بل فُصلت هذه القضية تفصيلاً دقيقاً في علم خاص بها يسمى ” علم الفروض ” بحسابات ربانية دقيقة بكل الإجزاء من الرقم الصحيح سواء كان الميراث مالاً منقولاً أو غير منقول بكل تفاصيله، وهي حقوق فصلها رب العباد، ولسيت كرماُ أو مِنًة من أحد على أحد من الناس.– تتأكد هذه الحقوق في التركة والميراث من لحظة وفاة المورث ذكراً كان أم أنثى، والتعجيل بتسويتها من أسباب براءة الذمم من أكل الحرام فيما يتعلق بالورثة وراحة المورث بعد موته، والتأخير في ذلك يوقع الورثة المتسببين في ذلك في الحرام، وأكل حقوق غيرهم بغير وجه حق، ولا تسقط هذه الحقوق بالتقادم ومرور الأيام.– التساهل في مسائل توزيع الحقوق من الميراث بين الورثة من أسباب الخلافات، ومن أسباب قطيعة الأرحام، ومن مفسدات العلاقات بين الأشقاء والأقارب، وهناك حالات من القطيعة والخلافات في المجتمع استمرت لسنوات طويلة، وبعضها لعقود بسبب عدم الاحتكام إلى الشرع في التوزيع، أو بسبب عدم رغبة بعض الورثة في التوزيع ليستمر في الاستئثار بنصيب غيره دون مراعاة للحلال والحرام في ذلك.– من الظلم الذي يقع به بعض الورثة حرمان النساء والصغار من حقهم من الميراث ” وتأكلون التراث أكلاً لمًا ” ويلجأ بعض الورثة إلى مبدأ التخجيل للنساء للتنازل عن بعض حقهن ” فما أخذ بسيف الحياء فهو سحت ” أو محاولة الترضية بأقل من النصيب المقدر شرعاً، وكل هذا من الظلم الذي يحدث بين الناس، ولا قيمة لأي اعتبار لا يتفق مع الشرع، وهذا من أكل الحقوق بطريقة غير مقبولة شرعاً وعقلاً.– المسارعة في بيان الميراث والتركة بعد وفاة المورث لا يعد عيباً اجتماعياً، ولا يعد حراماً من الناحية الشرعية، ولا ممنوعاً من الناحية القانونية؛ بل يعد ذلك أمراً مندوباً من الناحية الشرعية لما فيه من بيان الحقوق وردها إلى أصحابها، ويدل هذا التصرف على الأمانة والبر بين الورثة، ومن باب الورع والتقوى، وهذا الفعل لا يتنافى مع مشاعر الحزن على المتوفى، ولا يرد هذا التصرف من قضاء الله في شيء.– هناك حالات من عدم اتفاق الورثة على التقسيم والتوزيع تستمر لعشرات الأعوام، وغالب دوافعها الطمع، وكما يقولون: الطمع يضر ولا ينفع، وسوف يحاسب المتسبب في ذلك على القليل والكثير، فالدنيا لا تغني عن الآخرة، وهي قصيرة ، وسوف يندم فاعل ذلك ساعة لا مندم ، ومن الأسلم لدين الورثة ودنياهم وعلاقاتهم والمحافظة على وشائق القربى أن يبادروا إلى التوزيع بحسب الشرع ، والعبرة بالشرع لا بما يقوله بعض من يماطلون بغض النظر عن مبرراتهم وحججهم .– من الواجب على الدولة سن تشريعيات تلزم الورثة بمدة معينة للفصل في هذه الحقوق من الميراث ، وعدم تركها للزمن ، فتركها للزمن آثاره الدينية والاجتماعية خطيرة تدمر العلاقات وتزيد من الخلافات في مجتمع هو بأمس الحاجة إلى التماسك في بنيانه الاجتماعي ، والله المستعان .
 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة