تقنية التعرف على الوجه// سعيد ذياب سليم

=ظهر حديثا في الهواتف الذكية خاصية التعرف على الوجه وتفعيلها كوسيلة لتشغيل الجهاز بدل استخدام البصمة أو كلمة المرور “Password ” ،هل لها استخدامات أخرى ؟على شاشة إحدى القنوات الفضائية ظهر مراسل يبث رسالة حية وسط مظاهرة تندد بالحرب التي تشنها إسرائيل ضد غزة تسير في أحد شوارع لندن تقدر أعداد المشاركين فيها بالآلاف ، علّق أن البعض يغطي وجهه خوفا من أن ترصده كاميرات الرقيب الإسرائيلي فيتم الانتقام من أقاربه في غزة! هل يكفي أن يضع لثاما على وجهه؟ أم لا بد من لبس نظارة سوداء؟ أم أن كل ذلك لا معنى له!هل ما زالت دوائر تطبيق القانون تستخدم الطرق القديمة في التعرف على مرتكبي المخالفات القانونية والبحث عن المفقودين وتلاحق المتهمين مشيا على الأقدام أم أن هناك طرق وفرتها الابتكارات الحديثة في مجال الذكاء الاصطناعي تسهل المهمة و تختصر الوقت و تزيد من فاعلية الجهاز القانوني؟ما هو نظام التعرف على الوجه “Facial recognition “؟هو أحد مجالات الذكاء الاصطناعي ، تستخدمها تطبيقات مختلفة للبحث و المراقبة و تحديد الشخصية، يعتمد النظام على تحويل صورة الوجه التي تلتقطها كاميرا الجهاز إلى مصفوفة عددية تُحسب بواسطة خوارزميات معينة تأخذ بعين الاعتبار المسافة بين العينين و عمقهما و نقطة التقاء الحاجبين و بروز الأنف وملمس الجلد و عدد التجاعيد الناتجة عن الضحك أو العبوس، ثم تقارنها بمحتويات قاعدة البيانات المتوفرة لدى النظام لتحدد الشخص موضوع البحث . تتفاوت الدقة بين الأنظمة المختلفة للشركات التي تعرض خدماتها في هذا المجال و التي قد تصل إلى 99,97% في الوضع المثالي وتقل النسبة لأنها قد تتأثر بعدة عوامل مثل الوضعية التي أخذت بها الصورة إن كان الشخص في مواجهة الكاميرا أو ينحرف عنها بزاوية معينة ، إن كان في وضعية السكون أو الحركة ، كمية الضوء المعرض لها الوجه، التقدم بالعمر -ومقارنته بصورة أخذت له من سنوات- إن كان يضع قناعا أو طلاء و مساحيق تجميل ” make-up”، لكن النظام ذكي ويستطيع تحديد شخصا بعينه في الزحام في الوقت الذي لا تتعرف فيه ألة بيع القهوة على ورقة نقدية زاويتها مطوية.ما تهتم به دوائر تطبيق القانون أن يتم ضبط النظام ليعطي نتيجة حاسمة في تحديد الشخصية ولا يخلط بين توأمين!كيف يتم تجميع قاعدة البيانات ؟أعلنت الشركة الأمريكية “كليرفيو آ أي” Clearview AI أن نظامهم يشتمل على أربعين مليار صورة ! كانت قد جمعتها من خلال “الإنترنت” من مواقع التواصل الاجتماعي “كالفيس بوك” و “إكس” و “إنستغرام” و غيرها و هي مواقع مفتوحة للجمهور و لا يوجد ما يمنع أيا كان من الاطلاع عليها- رفعت فرنسا شكوى ضد الشركة وطالبت بمسح ما لديها من صور مواطنيها لكنها لم تفلح- و تعمل الشركة على أن يكون لديهم قاعدة بيانات تضم العالم أجمع. عزيزي القارئ هل لك صورة على أحد منصات التواصل الاجتماعي ؟ يبدو أننا لم نعد نملك وجوهنا!عرضت هذه الشركة خدماتها على العاملين على تطبيق القانون غدية اقتحام مبنى ” الكابيتول” في السادس من يناير 2021 لتحديد شخصيات المشاركين وذلك بالاعتماد على الصور و “الفيديوهات” التي تم التقاطها ذلك اليوم، كما و عرضت الشركة خدماتها على الحكومة الأوكرانية لمساعدتها في تمييز مواطنيها عن الجنود الروس المتخفين خلال الحرب الدائرة بينهما وتحديد شخصيات الضحايا و مرتكبي الجرائم والمفقودين.أما في الصين فتعمل “شبكة السماء” ومكوناتها من كاميرات و نظام التعرف على الوجه في مراقبة المواطنين الذين يزيد عددهم عن 1.4 مليار ويتحكم في لباسهم-لا يستطيع الفرد أن يسير بملابس النوم في الشارع- و طريقة السير في الشارع وحتى التحكم في عدد أوراق “التواليت” المسموح للشخص استخدامها في الحمامات العامة ، ويضطلع النظام أيضا بمراقبة مخالفي القانون و المعارضين السياسيين ويستخدم في تطبيقات كثيرة مثل المحلات التجارية الذكية التي تخلو من البائعين التقليديين لتتحرر من ملاحقتهم لك و اقتراحاتهم و التدخل في خصوصيتك ، يدخل المشتري بعد أن يفتح له النظام باب المحل ويعرض عليه سلعا تتفق مع سمات جماله ثم ينتقي سلعته ويخصم النظام من رصيد حسابه ثم يسمح له النظام بالخروج تجد مثل هذه المحلات في أمريكا و بريطانيا أيضا .في الصين لا معنى للخصوصية الفردية و لا اعتبار للأخلاق حيث استتباب الأمن هو المطلب الأساسي.قامت شركات صينية -وغيرها- ببيع أنظمة التعرف على الوجه لكثير من دول العالم .وعن إسرائيل تحدث تقرير صدر عن منظمة العفو الدولية استخدامها لنظام التعرف على الوجه -يسمى الثعلب الأحمر- عند نقاط التفتيش التي تتحكم في مداخل الأراضي الفلسطينية المحتلة لتعزيز ممارسات الفصل و التمييز العنصري ضد الفلسطينيين وانتهاك حرياتهم في التنقل و مراقبة و متابعة العمال الفلسطينيين العاملين في إسرائيل. يضم نظام الثعلب صور كل سكان المناطق الفلسطينية و معلومات عنهم مثل الاسم و العنوان وعدد أفراد الأسرة و التصاريح و رخص القيادة و المطلوبين منهم. يتم تصوير الشخص بواسطة كاميرات يحملها أفراد الشرطة الإسرائيلية على أبدانهم و استدعاء المعلومات من النظام مباشرة. بعيدا عن نقاط التفتيش يحمل الجندي الإسرائيلي تطبيقا على هاتفه الذكي -يسمى الثعلب الأزرق- تسمح له كاميرا الجهاز بالتقاط وجه الشخص و استدعاء المعلومات المتعلقة به من غرفة العمليات.نصبت في الطرق على الأعمدة و فوق أسطح المباني في المدن و المستوطنات كاميرات للمراقبة و أجهزة استشعار تنتظر و تترقب و تحاول استباق الحدث و تسجل ما يحدث في حال حدوثه.هل استخدمت إسرائيل هذه الأنظمة في حربها في غزة؟بعد حرب غزة في مايو 2021 ، قال مسؤولون إن إسرائيل خاضت “حرب الذكاء الاصطناعي الأولى” باستخدام التعلم الآلي والحوسبة المتقدمة. فماذا استخدمت في حربها في غزة بعد 7أكتوبر2023؟يكفي أن نذكر نظام يسمى بالعبرية “حبسورا” The Gospel و يعني الإنجيل و الذي يوصف بأنه “مصنع اغتيال جماعي” نظام بني باستخدام الذكاء الاصطناعي يقوم بتحليل البيانات التي تزودها الطائرات و الحوامات و أنظمة الاتصالات و الرصد على الأرض واستخدامها في صناعة القرار لتحديد الأهداف المحتملة بشكل آلي و بسرعة غير مسبوقة، تلك الأهداف ليس من الضروري أن تكون عسكرية بشكل تام، فهو يحدد أهدافا مدنية و مباني سكنية و بنى تحتية ، ففي سبيل القضاء على أحد مقاتلي حماس لا ضير من أن يُقتل معه مئة مدني وفي سبيل القضاء على أحد القادة الميدانيين فإن قتل ألف مدني يعد من الأخطاء التي لا يمكن تجنبها -ربما يفسر هذا عدد الشهداء الذي قارب ثلاثين ألفا-والمضحك المبكي أن تدّعي المنظومة العسكرية الإسرائيلية أن أهدافها دقيقة. لقد أتاح لهذه الآلة العسكرية أن تضرب مئة هدف يوميا فهي لا تخشى أن تنضب الأهداف كما في السابق . ليت لهذا النظام قلبا ليرى الأطفال بأعين أمهاتهم قبل أن يأمر بالقتل.من الأمثلة السابقة نرى ضرورة وضع قوانين و قواعد تتفق مع الدستور والأخلاق و تنسجم مع الحريات و الحقوق المدنية و تجنب التحيز للجنس و العرق قبل السماح لأنظمة التعرف على الوجه الانتشار و التحكم بحيواتناما يخشاه صانعي القرارهو إمكانية أن يسمح الاستخدام غير المقيد لأنظمة التعرف على الوجه في الفضاءات العامة والجمع غير المسبوق للبيانات حول الأفراد ، أن يخلق فرصًا للاستغلال الاقتصادي ، والتلاعب السياسي ، والتمييز العنصري و تقمص الشخصيات وارتكاب جرائم قد يساعد عليها الذكاء الاصطناعي مستقبلا لكنا لا ننكر أن أنظمة التعرف على الوجه لها إيجابيات ملموسة يكفي أن لها القدرة على التعامل مع الشخص حتى إن كان ذو وجهين وربما يصل به العلم إلى معرفة نواياك و ما تفكر به من ملامحك و إيماءاتك كما تقرأ الزوجة زوجها .. أحيانا .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة