فرح خليفات يكتب ( معلمون من الزمن الجميل – الأستاذ عيسى يعقوب مزاهرة )

=

نعود إليكم والعود أحمد ، كنت أود إستبدال عنوان هذا المقال تحديداً  ليصبح  ( معلمون من الزمن الجميل)  وذلك نظراً لمكانة ودور المعلم الذي كان يحظى بِهِ في أواسط القرن الماضي  ،   سنصحبكم اليوم  للحديث عن  معلم ذو شخصية فريدة من نوعها من شخصيات الزمن الجميل التي عبرت تاريخ بلدتي الحبيبة عنجرة  ،  في مقالاتي السابقة تناهى لمسامعي بأنها طويلة وتأخذ وقتاً ليس بالقصير ليتم الانتهاء من قراءتها مما يدعو القارئ الكريم أن يُعرض عن قراءة المقال حتى آخره ، وهذا صحيح لدى البعض ممن لا يعشقون القراءة كثيراً وأنا منهم ، لذلك سآخذ هذا الأمر بعين الاعتبار ما أمكن فخير الكلام ما قلَّ و دلَّ وسأجْنَحُ في بثِّ عنصر التشويق للقارئ الكريم بقدر ما أستطيع حتى يستطيع الاستمرار للنهاية . كذلك يجب التنويه لنقطة في غاية الأهمية وهي عندما أتناول  شخصية مُعينة فهذا لا يُعني أبداً أن أكتب لمجرد كيل المديح بقدر ما يُعني بالتحديد تسليط الضوء على محطات هامة في مسيرة حياة تلك الشخصيات وسِماتها الخاصة لذلك فالمديح بغير مكانه ينقلب إلى ضده  .

سأتناول في هذا المقال شخصية تربوية وثقافية واجتماعية  من الدرجة الأولى بكل ما تحمل هذه العبارة من معاني كبيرة وكُلي  فخر واعتزاز بما سأَخُطَّ عنها   ،  إنها شخصية طيب الذكر المرحوم المعلم عيسى يعقوب مزاهرة ( أبا مظهر )  وتالياً مُقتطفات عن سيرة حياتهِ المُفعمة برائحتها الزكية والعطرة والحافلة أيضاً بالعطاء الموصول خاصةً وقد إخترنا نشر هذا المقال بالتزامن مع  الذكرى العاشرة  لإنتقالهِ إلى الرفيق الأعلى  والتي تُصادف في الخامس من تموز لعام ألفين وأربعة عشر  : –

ولد المرحوم في أوائل عام ١٩٣٦ في قرية عنجرة آنذاك حيث تلقى علومه الأولى في مدرسة الروم الأرثوذكس/ عنجرة ومن ثم في مدرسة عنجرة الأميرية ( على زمن إمارة شرق الأردن) ليذهب بعدها إلى مدرسة اللاتين في عجلون ليعود لمدرسة اللاتين/ عنجرة ويكون بذلك قد أنهى فيها  الصف السادس الابتدائي لينتقل بعدها  لمدرسة الهاشمية التجارية / إربد ( مدرسة خاصة ) ليكمل فيها الصف الأول ثانوي ( يعادل الصف السابع حالياً ) ومن ثم لمدرسة السلط الثانوية عام ١٩٥٢ وهي أول مدرسة ثانوية حكومية في الأردن ليُنهي فيها الصفوف الثاني والثالث والرابع ثانوي ليعود ثانيةً لقضاء إربد وتحديداً لمدرسة إربد الثانوية التي كانت قد أُنشأت حديثاً لِيُنهي فيها الصف الخامس ثانوي ( نهاية المرحلة الثانوية آنذاك ) عام ١٩٥٤ وبعدها تقدم لامتحان التوجيهي المصري عام ١٩٥٦ومن المؤكد قد إجتازه بتفوق  ليتم تعيينه بوظيفة معلم عام ١٩٥٧ في وزارة التربية والتعليم  وهو بعمر ٢١ عاماً وجاء  تعيينه في قرية المِدْوَرْ من قرى بني حسن / المفرق ، واستمر في التعليم مُتنقلاً من مدرسة لأخرى ومن قضاء إلى قضاء إلى أن إستقرَّ بهِ الحال في مدارس لواء عجلون  بِدءاً من مدارس كفرنجة وانتهاء بمدارس عنجرة ، ووجب التنويه هنا أنه تقدم لامتحان الثانوية العامة الأردنية / أدبي  عام ١٩٦٢ حيث كان يخدم وقتذاك في مدارس دير أبي سعيد وتحديداً في مدرسة دير يوسف  .

هنا لا بد من ذكر محطة مُهمة شكلت  – أثناء مدة خدمته في حقل التربية والتعليم – إنعطافة على المستوى الأكاديمي  حيث أنَّهُ وهو على رأس عمله في مدرسة كفرنجة حدث أن قام بالإنتساب لجامعة بيروت العربية  عام ١٩٦٦وحصل على شهادة الليسانس في اللغة العربية وآدابها عام ١٩٦٩ مما شكل ذلك نقلة نوعية في مسيرة حياة الأستاذ عيسى التعليمية .  ولا أرى مانع هنا من ذكر أسماء بعض الأشخاص اللذين ترافقوا معاً من عنجرة لتأدية الإمتحانات السنوية الصيفية في جامعة بيروت العربية بالإضافة للأستاذ عيسى مزاهرة وهم كل من  هلال مقطش ، يوسف مقطش ، يوسف زوايدة ،  سعد زوايدة وخالد عبدالرحيم صمادي طيب الله ثراهم جميعاً ، حيث إنتشرَ في تلك الحقبة الزمنية نظام الدراسة بالإنتساب  ( عن بُعْد ) نظراً لِشُحْ الجامعات في الأردن فكانت الجامعة الأردنية هي الوحيدة في الأردن آنذاك .

والآن دعونا نسلط الضوء أكثر  على فترة خدمة الأستاذ عيسى في مدارس عنجرة ونظراً  لكفاءتهِ العالية وخبرتهِ  التعليمية في مادة اللغة العربية فقد تمَّ تكليفهُ أيضاً للتدريس في مدرسة عنجرة الثانوية للبنات و نادراً ما كان يحصل مثل هذاِِ الأمر لولا تَمَتُعهِ  بالأخلاق الرفيعة علاوةً على الكفاءة العالية ، ونذكر معه بعض أسماء المعلمين الذين تم تكليفهم أيضاً في مدرسة عنجرة الثانوية للبنات وهم الأستاذ محمد العبد العزيز الفواز ( أبو أمجد )  و الأستاذ محمد عبدالله الكايد الصمادي ( أبو حذيفة )   رحمهم الله  ، وفي عام ١٩٨٥ تم إحالته على التقاعد بعد خدمة ٢٩ عام في وزارة التربية والتعليم،  حيث نال بإستحقاق وسام التربية من المغفور له الملك الحسين تكريماً وتقديراً لعطائهِ وتفانيه في مهنة التعليم وكان أول معلم مُتقاعد في محافظة عجلون يحظى بهذا التكريم  .

وبالرغم من حصوله على التقاعد من وزارة التربية والتعليم إلَّا أن مسيرة حياته التربوية والتعليمية  لم تقف عند هذا الحد فقد كُلِّفَ  مباشرةً بعد التقاعد للتدريس في مدرسة سيدة الجبل الأساسية  المختلطة / عنجرة  – البطريركية اللاتينية  – واستمر فيها حتى عام ١٩٩٦  بخدمة ١١ عام إضافية ، حيث تم تكريمه أيضاً بدرع البطريركية اللاتينية  وهذه محطة أخرى في مسيرتهِ التعليمية  حيث بلغ مجموع خدماته مجتمعة ٤٠ عاماً  ، هنا ليسمح لي القارئ الكريم أن أُعرِّج  قليلاً وأذكر إسم  كاهن رعية اللاتين آنذاك وهو الأب يوسف نعمات رحمه الله الذي كان له الدور الرئيس في عملية البناء والتطوير في مختلف المجالات المتصلة بالكنيسة والمدرسة والدير عموماً  ويعود له الفضل في بناء كنيسة سيدة الجبل ( مزار السيدة العذراء) ووضع المكان على خارطة الأردن السياحيَّة ، والحقيقة أنَّ الحديث عن الأب يوسف نعمات يحتاج لمقال منفصل  . وكذلك نذكر  إسم مديرة مدرسة سيدة الجبل آنذاك  بعد أخذ الإذن منها وهي السيدة الإنسانة والمربية سلوى زوايدة ( أم عامر ) والغنية عن التعريف أطال الله في عمرها بالصحة والعافية فهي مُناسبة لنقدم  لها كل الشكر والعرفان على جهودها وخدماتها المتميزة في المدرسة  جنباً إلى جنب مع الأب يوسف نعمات ،  وكفاها فخراً أنها إبنة طيب الذكر المغفور له  ( المعلِّم جميل ) التي ورثت منه كل الصفات النبيلة  والمناقب الطيبة  .

إذن نستخلص مما سبق أن المعلم والإنسان عيسى أصبح مُدرساً لمبحث اللغة العربية وامتاز بكفاءة عالية في هذا المجال خاصةً بعد حصولهِ على درجة الليسانس في اللغة العربية وقام بتدريس كافة المراحل الدراسية حتى المتقدمة منها وكان عطاؤه بلا حدود وجاداً صارماً أثناء تقديمهِ الحصة الصَفيَّة وكان شديد الحرص على كل  دقيقة  من وقت الحصة الصفيِّة  وكان مستوى نشاطهِ في أواخر خدمته يفوق مستواه  في أوائلها فليس للكلل والملل عنوان في  مسيرة حياته فالصبر والجَلَدْ مع طول الأناة وحبه لتأدية رسالته كلها إجتمعت معاً في شخصيته ، ولكن رغم جديته في مجال التدريس إلا أنه كان يتمتع بشخصية محبوبة وجذَّابة  وقريبة من الطلبة بسبب أسلوبهِ الرائع والممتع في تقديم المادة ، أما في المجتمع المحلي العنجراوي فله شخصية جمعت كثير من الصفات في آنٍ واحد أبرزها  التواضع وحب الوطن مع الحكمة والصبر ،  وكان يقف على مسافة واحدة من الجميع ، فحديثه الشيِّق وثقافته الواسعة جعلته يتربع في المستويات العُليا  من العلاقات مع كافة فئات  المجتمع المحلي  مما شَكَّلَ منه شخصية إجتماعية فريدة .

ولكن اللافت للنظر أن المعلم عيسى مزاهرة قد أقْرَن أيضاً بوظيفتهِ وظيفةً أخرى ألا وهي مهنة الفلاحين الكادحين  فكان عشقه للأرض أشبه بعشق الطفل لأمه إن جاز لي  بهذا التشبيه وما جاء هذا التعبير إلا لأجل توضيح شدة إرتباطهِ بالأرض والزراعة وكان شديد الإعتزاز بهذا العمل الشريف   . وفي الواقع كان المرحوم عيسى مزاهرة يجمع ما بين عبادة الله وعبادة العمل فكان دائماً يوفر الوقت اللازم ليقوم بواجب العبادة والصلاة للخالق  فلا يتردد أبداً أو يتقاعس عن ذلك . فالذهاب للكنيسة كان من أولى أولوياته  ،  ما حدا بِهِ إلى تربية عائلة نموذجية في الأخلاق والعلم وحسن العبادة   أما شدة إنتمائهِ لعائلته فكانت تلفتُ الأنظار  حقاً  فلديهِ نخبة من الشباب المتعلم وهذا الإنجاز المُبارك ما كان ليتم دون فضل و تواجد شريكة الحياة  والمربية الفاضلة ( رضا مزاهرة ) أم مظهر بجانبه ، أدام الله عليها الصحة والعافية والبركة  مع جميع أفراد العائلة الكريمة  .

قد لا يفوتني وها أنا قد وصلت إلى عَتَبَةْ نهاية هذا المقال الذي أرجو أن يكون قد نال إعجابكم وأنْعَش لديكم  ذكريات الزمن الجميل  أن أقدم جزيل الشكر لعائلة المرحوم عيسى مزاهرة على إثراء هذا المقال بكل ما يلزم وكذلك أشكركم على متابعتكم حتى النهاية  .

مازال بجعبتي أمور أخرى هامة تخص تلك الشخصية الفريدة ولكني سأختصر ذكرها ليس لضيق الوقت  ولا عجزاً مني بل لأجل  إحترام وعدي لكم بعدم الإطالة  فاعذروني إن حصلت رُغماً عني  ، إنتقل الأستاذ الفاضل إلى الرفيق الأعلى  عن عمر ٧٨ عام ، ختاماً لا بُدَّ من كلمة صادقة يجب أن تُقال بحق  المعلم الفاضل عيسى مزاهرة  وبصفتي معلم أمضيت أكثر من خمسةٍ وثلاثينَ عاماً في وزارة التربية والتعليم  قد عاصرتُ العشرات  إن لم يكن المئات من المعلمين لكنني لم أعثر  طيلة خدمتي تلك على واحدٍ على الأقل قد  جَمَعَ هذا الكم من الصفات الحميدة في آنٍ واحدٍ كمثل ما اجتمعت في شخصية أبا مظهر ، ( يا هيك يكون المعلمون يا إما بلا ) .  رحم الله أستاذنا ومعلمنا الكبير عيسى مزاهرة بغنى  مراحمه مع الأبرار والصالحين وأسكنه الفردوس الأعلى ، وإلى اللقاء مع شخصية عنجراوية جديدة أستودعكم السلامة  .

 

بقلم/ الاستاذ فرح خليفات

 

2 تعليقات

  1. فهد الثلجي يقول

    الأستاذ عيسى مزاهرة كان استاذي بمدرسة دير الاتين سيدة الجبل
    الله يرحمه كان شخص محترم ومثقف وخلوق

  2. محمد خليفة الصمادي يقول

    نعم يستحق الاستاذ والمربي الفاضل ما أشار إليه الكاتب مشكور ا بل ويستحق اكثر من ذلك وقد كنت احد طلابه واشهد له بطيب وصدق الأخلاق وغيرته على جميع ابناء بلدته وحرصه على التعليم و التعامل بحسن الأخلاق .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة