ليلة حارة / سعيد ذياب سليم

ربما حطت بك الرحال يوما في إحدى المدن الصحراوية، تدفعك الحاجة إلى السير في شوارعها تبحث عن محل لإصلاح دولاب مثقوب أو مطعم لتتناول وجبة خفيفة ومشروبا باردا ففوجئت بلفح هوائها وما تبعثه أرضها من هبو وشمسها من نيران و كأنها فم تنين ينفث نار سخطه و الأعجب أن تنزلق قدمك بإسفلت الشارع الذي لم يصمد أمام حرارة الجو!
وربما وجدتك في مدينة مدارية على شاطئ بعيد، يغرقك العرق وتقيدك اللزوجة فتلتصق بك ملابسك وترهقك الرطوبة، تجهد في البحث عن نسمة هواء تزيد في سبيل ذلك من سعة منخريك بدون جدوى و الشمس ترسل عليك سياطها تلهب قمة رأسك ويخيل لك أنك تسمع له غرغرة كالغليان وتخشى أن ينفجر!
يحدث لك ذلك في تلك المدن البعيدة، لكن أن يهاجمك كل هذا في مدينتك الوادعة و التي تتكئ على كتف جبل تنتشر فيها الأشجار و ظلالها و تداعبها النسمات كل وقت، أن يهجم عليك هذا الشقاء بعد نعيم الشتاء ورغد الربيع ورقته فيرتفع لك شهيق وزفير و يفسد مزاجك و تفقد أعصابك دون ما سبب وأنت تمارس عملك و أنت تسير في الشارع ثم في البيت.
تكاد تخلع عنك ملابسك قبل أن تدخل البيت و ما هي إلا لحظات لتجد نفسك بزي البحر-دونما بحر- وحولك أفراد أسرتك يضعون على أنفسهم أقل القليل من الملابس كل قد خطف مروحة وتمدد قبالتها والضجيج من حولك إحداها تقول ..ورررر وهي تنظر أرضا ..وأخرى تصرخ تشك تشك تشك تهز برأسها كمن يؤلمه عنقه وتلك تهمس وممب وممب ..يكاد نفسها أن ينقطع، تشكل معا فرقة آلية تعزف سيمفونية مزعجة ستدفع فاتورتها نهاية الشهر، تحسب أنك في ورشة حدادة، يلفحك هواء ساخن وصداع في رأسك و ألم في أطرافك.
تهجر ذلك كله وتلوذ بغرفتك الساخنة تلقي بجسدك على السرير محاولا اقتناص خدر كالغيبوبة لكن هل ترحمك إناث البعوض من لسعاتها؟
تقوم مستفَزّا تسير كالغزال النافر وتلجأ إلى “الكولر” تسكب كوبا من الماء لتكتشف أنه لم يكد يبرد بعد تناور باتجاه الثلاجة تفتحها وتتلكأ أمامها مادا عنقك بين رفوفها حتى تنتبه لأزيزها وكأنها تقول لك أفف…أفف تتركها خجلا لتقف أمام النافذة تبحث عيناك في السماء عن غيمة وتنظر في الجوار لعله انقلب إلى بحر أو نهر أو بركة صغيرة تقفز إليها لتطفئ هذا الحريق تدير ظهرك وأنت تردد ..كل الأماني ممكنة ..ممكنة.. ممكنة.
يمضى النهار تقيلا وأنت تترقب قدوم الليل كمن ينتظر حبيبة، تقف في الشرفة حتى إذا حل صعدت إلى السطح تبحث عن نسمات الليل، يا للفرح! تهب عليك نسمة تطبع قبلة على خدك، تفتح نافذة قلبك تراقصه فيرق لها في عتمة الليل، تجلس بجوارك زوجتك و كل منكما يقلب صفحات “موبايله” و الأرجيلة تبقبق بينكما وسحابة دخان بيضاء تدور حولكما قبل أن تجرفها موجات العتمة، “هل رأى الحب سكارى مثلنا؟” تتساءل على مسمعيكما أم كلثوم!
يأتي النعاس متأخرا بعد منتصف الليل بساعة أو ساعتين فتقنع نفسك بالدخول إلى غرفة النوم،تؤقت مكيف الهواء حتى تستطيع أن تنام، حال توقفه تقفز خارج غرفتك وقد جفاك النوم، تسلي نفسك بكوب من الشاي وتنتظر الفجر، ما هي إلا دقائق حتى تلحق بك زوجتك تعاني الصداع و الأرق لتنتبه إلى النمل ينتشر في الردهة فتبدأ تلاحقه و ترش عليه من خلطتها السحرية التي تعتمد فيها على زيت النعناع، و يا ليل ما أطولك!
عجبا لمن يحب الصيف ..عجبا لطبعهم ..عجبا وألف عجب!
سعيد ذياب سليم

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة