أطفال الأسى // سعيد ذياب سليم

–

نظر إليّ صديقي الفيلسوف، وقال:
«أنا أتألم إذن أنا موجود!»
ثم سحب نفسًا من غليونه كبحّار قديم، ونفث الدخان في دوائر بالهواء، وراح يراقبها غارقًا في زهوه.
لكن الألم —يا صديقي— قد يتجلّى في أبلغ صوره في عينَي طفل تلمعان بالدمع، أو تسمعه في كلمات خرساء على شفتيه، أو تلمحه في ضحكة لا نعرف ما تخفيه…
سمعت نهنهة أثناء صلاة الظهر، ثم تبين لي أنه صوت يبكي بكاءً مكتومًا. أخذ الصوت يعلو حتى أصبح صياحًا.
وما إن سلّم الإمام حتى اتجهت الأنظار نحو مصدره، فإذا هو عمر.
عمر طفل لديه إعاقة، ضخم الجسد. يكاد لا يتخلف عن موعد صلاة الظهر. يجلس على كرسيه في الصف الأول، ولا تسمع منه أثناء الصلاة إلا تكبيراته. تراه مرتبًا نظيفًا دائمًا، تبدو عليه عناية أهله وحرصهم عليه؛ يلبس بنطالًا قصيرًا، يظهر تحته كولون أبيض.
التفّ حوله بعض المصلين، يسألونه:
— لماذا تبكي يا عمر؟
— سيدي… سيدي مات، أجاب عمر.
شعرت بغصة في حلقي، وحزنت لأجله. فهذا أحد الذين يحدبون عليه بعطفهم قد مضى.
نهره أحدهم، أظنه في عمر جدّه، قائلًا:
— اذهب وابكِ في البيت!
في حين حنا عليه آخرون، فترحموا عليه وقالوا له:
«لا تبكِ يا عمر… لا تبكِ.»
خرج من المسجد، يسير ببطء باتجاه البيت؛ يتوقف قليلًا، ثم يجلس، قبل أن يواصل طريقه.
وعيناه نافذتان تطلان على عالم لا نعرف كم يدرك منه.
فإذا مررت به ناداك:
— عمو… عمو!
ثم تسمع منه جملة قصيرة يشكو فيها حرارة الجو.
كثيرًا ما يضايقه الأطفال، يتنمرون عليه ويعاكسونه، فينهرهم ويشتمهم، حتى ينبري أحد المارة للدفاع عنه.
وكأن لا عمل للأطفال إلا معاكسة الآخرين!
فهذان طفلان يسيران على الرصيف، يمسك أحدهما بيد الآخر، ويؤرجحان ذراعيهما بمرح، حتى إذا مرّا برجلٍ يدير ظهره للمارة، وينحني ليرتّب بعض الكتب ويعرضها للبيع، نظر أحدهما إلى الآخر وخاطبه بلغتهما الخاصة. وفي لحظة خاطفة، أرجحا ذراعيهما المتشابكتين إلى الأمام، فارتطمت كفّاهما بقفاه بضربة مباغتة، ثم وقفا بجواره يتناولان كتابًا ويتظاهران بتصفحه.
رفع الرجل رأسه، ونظر حوله، ثم باتجاههما. لعن في سره هذين الشيطانين الصغيرين، وربما كل أطفال العالم، واحتار كيف يسأل: أيُّكما ضربني على قفاي؟ لكنه ابتلع غيظه، وآثر الصمت.
أعادا الكتاب إلى مكانه بهدوء، ومضيا مبتعدين، حتى إذا قطعا مسافة آمنة، ضحكا بشقاوة.
لماذا يقومون بمغامراتهم السخيفة هذه؟ هل هي رفرفة جناحي عصفور صغير يرتقي فوق الريح لأول مرة؟ أم أنها طريقتهم في التعبير عن أسى لا نحسن رؤيته؟ أسى قد يغرقون فيه دون أن ننتبه؟
ظل السؤال يلاحقني، وأعادني إلى ذكرى قديمة؛ ففي ساحة مدرستنا الثانوية، كنت أشارك في ضبط الطابور الصباحي، عندما رأيته لأول مرة.
لفت انتباهي بجسده الصغير وقامته القصيرة. ناديته وسألت مداعبًا:
— أنت، في أي شعبة من شعب الخامس؟
— أنا في الصف الحادي عشر، يا أستاذ، رد محرجًا.
في السنة التالية، كان أحد طلبتي. سألته عما أصابه، فقال:
— أصبت بمرض وأنا طفل صغير، أخطأ الطبيب في تشخيصه، فوصف لي دواءً خاطئًا تناولته وقتًا طويلًا، فأوقف نمو جسدي.
تصوّرته في غرفته، جالسًا إلى مكتبه الصغير، وربما كانت تزيّنه رسوم الكواكب وسفن الفضاء والجنيات الصغيرة.
كان يحلم بالعيش في هولندا، ظانًّا أن الحياة هناك ستمنحه فرصة أفضل.
— تُرى، هل ذهب إلى هولندا أم ما زال يعيش في زقاق الأسى؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة