أهازيج الأجداد والمهاهاة تعود إلى أفراح الأردنيين وتجذب جيل الشباب

“يا شوقي يلا أنا وياك.. ع الغور نزرع بساتين.. نزرع للغالي ثلاث وردات.. نسقيهن من مية العين”.. “سيري يا اسمرانية سيري واعدلي النية سيريلي ع ابن حوران راعي الدلة المركية”.. “قومي اطلعي، قومي اطلعي لحالك، وإحنا حطينا حقوق أبوك وخالك”.. تلك بعض من الأهازيج والأغاني الشعبية الأردنية التي ما تزال حاضرة في مناسبات الأفراح، من الأعراس وليالي الحناء إلى حفلات النجاح، حاملة في كلماتها وألحانها حكايات من الذاكرة الشعبية وتفاصيل من حياة الأردنيين وعاداتهم وتقاليدهم.

ومع تجدد أجواء الأعراس القديمة وحفلات الحناء، وما يرافقها من أزياء شعبية وأغانٍ فلكلورية وأهازيج متوارثة، استعاد التراث الشعبي حضوره في تفاصيل الحياة الاجتماعية، ليجد طريقه مجددا إلى اهتمام جيل الشباب.
وبين إيقاعات الأغاني التراثية وكلماتها التي قد تبدو غامضة للبعض، تبدأ رحلة الفضول والاكتشاف؛ إذ تدفع هذه المفردات جيل اليوم إلى السؤال عن معانيها والحكايات التي تحملها والمناسبات التي ارتبطت بها، لتتحول الأغنية من مجرد لحن يُردَّد إلى “نافذة” تطل على حياة الأجداد وعاداتهم وتقاليدهم.
تجذّر التراث لدى الأجيال
هبة (32 عاما) من الفتيات اللواتي يحببن المشاركة في المناسبات وغناء ما يحفظنه من الأغاني الفلكلورية الشعبية، إلى جانب المهاهاة.
وبينت هبة، في حديثها، أن ما جذبها إلى التراث الشعبي والأغاني الفلكلورية هو نشأتها في بيئة مليئة بهذه الأجواء؛ إذ ترعرعت في منطقة شعبية، وكانت هذه الأغاني والمهاهاة حاضرة في كل مناسبة تُقام فيها. وهكذا، تجذّر التراث في نفسها وأحبته.
وتذكر هبة أن السيدات من كبار السن، ومنهن جدتها وجاراتها، كنّ يغنين هذه الأغاني في الحفلات. كما كانت لها عمة تتقن المهاهاة، وقد حفظتها عن أمها، ثم تعلمتها هبة منها.
وتؤكد هبة أنها تعشق المشاركة في مناسبات الأفراح؛ لأن للمهاهاة والأغاني التراثية فيها نكهة خاصة، موضحة أن أي حفلة قد تُشغَّل فيها الأغاني العادية المعروفة بين الناس، لكن المهاهاة تكون مميزة؛ لأنها تُخصَّص للمناسبة، سواء أكانت تخرجا أم زفافا أم نجاحا.
وتقول هبة: “طابع المناسبة هو اللي بحدد شو بدك أنت تحكي، فتعطي طابعا شخصيا لهذه المناسبة اللي أنت تحضرها، غير إنها شي جميل ويفرح الناس”.
وتؤكد هبة أهمية أن تتوارث الأجيال القادمة هذا التراث، فهو شيء جميل ومميز، منوهة إلى أنه إذا لم يُحفظ من جيل إلى جيل فسوف يندثر؛ لأن الناس تتعامل اليوم مع أمور جديدة وتتعلم ما هو متاح أمامها.
حفظ الموروث الثقافي
لكن المهاهاة، بحسب هبة، “السهل الممتنع”، ولذلك تشجع الأجيال القادمة على ممارستها وحفظها وتداولها في مناسباتها. وتقول: “لا يختلف حفظ التراث الأثري عن حفظ الموروث الثقافي والشعبي؛ الاثنان مهمان ويجب أن يتناقلهما كل جيل”.
وقد فتحت هذه العودة باب التساؤلات حول أهمية الحفاظ على الموروث الشعبي ونقله إلى الأجيال الجديدة، ودور الأسرة والمجتمع والفنانين والمهتمين بالتراث في صون الأغاني والأهازيج والحكايات الشعبية من النسيان، وضمان استمرار حضورها بوصفها جزءا من الذاكرة الثقافية والهوية الوطنية.
بدوره، يبين خبير التراث نايف النوايسة أن الأغنية، سواء أكانت عربية أم بأي لغة أخرى، شعبية أم غير شعبية، تتكون من جانبين مهمين، هما الكلمة واللحن؛ فإذا كانت الكلمة موسيقية، جاء اللحن معبرا عن مضمونها الشعري.
ويتابع: “أما الأغاني الشعبية، فهي تمثل جانبا حيويا من التراث الثقافي غير المادي في أي مجتمع، ويعبّر من خلالها صاحب الكلمة عن مشاعره تجاه وطنه أو تجاه نفسه، أو إذا كان محبا، أو إذا كان يريد إيصال رسالة معينة من خلال هذه الكلمات التي تنتظم ضمن ناظم لحني محدد”.
وفي الغالب، تمتلك معظم هذه الأشعار الشعبية نواظم لحنية، مثل “الهيجيني” أو “المسحوب”، وما شابه ذلك من الألحان، بحسب النوايسة.
أغانٍ تتضمن دلالات ورسائل اجتماعية
ويوضح النوايسة أن الكلمات التي يكتبها شعراء الشعر الشعبي تُغنّى في الغالب، إما ارتجالا دون أي وسيلة موسيقية، أو بمصاحبة الموسيقى. وعلى الأغلب، كانت الآلات الموسيقية المعروفة في الأوساط الشعبية هي الربابة أو المقرون أو الشبابة، أو السمسمية في البيئات البحرية، ويرافق ذلك أحيانا استخدام الطبلة.
ويتابع: “أما الموسيقا الحديثة التي دخلت، وخاصة العود، فهو وإن كان قديما، إلا أننا كنا نجده قليلا في البيئة الشعبية، مثل الأعراس القديمة أو بعض المناسبات”.
ويشير النوايسة إلى أن عودة هذه الأغاني اليوم وانتقالها من جيل إلى جيل يدلان على أن هذا التراث حي، وقادر على تجديد نفسه واستعادة حضوره من خلال المناسبات، كالأعراس أو حفلات التخرج من المدارس والجامعات، أو مناسبات أخرى عديدة في الوسط الشعبي.
وأحيانا، لا تكون هذه الكلمات اليوم كما قيلت سابقا، وهذا يدل على مرونة التراث الشعبي الشفوي؛ إذ إنه لو لم يكن مرنا، لما أمكن تناقله، بحسب النوايسة.
ويبين النوايسة أن ما أبعد هذه الأغاني عن أصالتها هو دخول بعض الآلات الموسيقية، مثل الأورغ والبيانو؛ فهذه الآلات لا ترتبط بالبنية الأصلية لمثل تلك القصائد أو الأغاني.
إعادة إنتاج التراث وتوظيفه
ويذكر النوايسة أن هذه الأغاني تتضمن دلالات تتصل، في الغالب، بجوانب من تاريخ حياة الإنسان في المجتمع الشعبي، وبالجوانب الاجتماعية، كمناسبات الأحزان والأفراح، أو ما يرتبط بالوجدان الشعبي.
ويفسر النوايسة أن هذه الأغاني تعكس قدرة الإنسان على مواجهة أعباء الحياة من خلال الأغاني والأنماط الشعبية في التعبير والأداء، كالأغاني التي تُؤدّى في الأفراح، أو من خلال الدبكات والفرق الفنية المعروفة.
والمقصود من ذلك هو ربط الجيل الحالي بالأجيال القادمة من خلال وشائج تاريخية تدل على أصالة الإنسان وقدرته على أن يصنع شيئا على الأرض، بحسب النوايسة.
ووفق النوايسة، قد لا يفهم المتلقي الحالي بعض الكلمات، لكنه يستطيع، من خلال البحث، أن يدرك أن وراء هذه الألحان التي تحمله على الطرب أمورا كثيرة ذات دلالات تاريخية ودينية، وما إلى ذلك.
ويضيف: “فعلى سبيل المثال، قصيدة “يطروش” التي غناها فريج ذات يوم غابت لفترة، لكن حينما أعادت الفرق الموسيقية أداءها، عادت إلى الحياة من جديد، ودلت مضامينها على أن رضا الوالدين والاهتمام بكبار السن أهم من كل شيء في هذه الدنيا”.
وهذا ما عناه الشاعر في البداية، لكن الأغنية، من خلال لحنها الجميل، استطاعت أن تُظهر هذه المعاني وتعيد إحياءها من جديد.
ويشدد النوايسة على أنه والمهتمين بالتراث ونقله وصونه وإعادة إنتاجه وتوظيفه معنيون بنقل الأغاني الشعبية بشتى الوسائل من جيل إلى جيل، سواء من خلال النشر الورقي أم الإلكتروني.
ويبين النوايسة أنهم يواجهون تحديات كبيرة تتعلق بتوافر هذه الوسائل والقدرة على نشر هذه الأغاني، سواء ورقيا أم إلكترونيا، لكنهم مصرون على ذلك.
أغانٍ شعبية تحمل الكثير من الدلالات
ويذكر النوايسة أنهم أصدروا العديد من الكتب، ولا سيما من خلال الباحثين في التراث، كما يجري نقل هذا التراث عبر المؤسسات، كالإذاعة والتلفزيون ووزارة الثقافة، أو من خلال بعض الجهات الخاصة المعنية بهذا الشأن.
وهذا ما يثبت أن الأردن قادر على التواصل مع عمقه التراثي ومواكبة العصر، بحسب النوايسة، سواء من خلال الوصول إلى هذه الأغاني في عمقها الأصيل، أم من خلال استخدام أحدث الوسائل العصرية لنقلها بكلماتها من جيل إلى جيل.
ويبين النوايسة أن التحديات كبيرة، خاصة في ظل التقدم الرقمي المعاصر الذي يدير ظهره لكثير من أشكال التراث، لكنهم، بوصفهم المعنيين بهذا الأمر، يريدون أن يبينوا أن تراثنا يمتلك قدرة على المعايشة والاستمرار أكبر مما يظن البعض ممن يرون أنه تراث ميت انتهى، وأنه يجب الانقطاع عنه.
ويقول النوايسة في ختام حديثه: “نحن لا نريد أن نعلن القطيعة مع تراثنا، فتراثنا يحمل أصالتنا وهويتنا، وعلينا أن نتواصل معه من خلال الأغنية الشعبية الجميلة، التي تحمل الكثير من الوجدانيات الإيجابية والقضايا والدلالات التاريخية والدينية والتراثية”.

رشا كناكرية/ الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة