أي الأخوين كان القاتل! // محمد السعد بني نصر

ا جرى في الكرك لم يكن مجرد جريمة قتل… بل مشهد موجع يقف أمامه الضمير الإنساني عاجزاً عن الفهم.
أناس اجتمعوا ليودعوا عزيزاً عليهم، يحملون وجع الفراق، ويلتمسون في لحظات الوداع شيئاً من السكينة… فإذا بأيدي الغدر تقتحم حزنهم، وتضيف إلى الفقد فقداً، وإلى الموت موتاً!
أمام هذه المأساة، لم يشغلني مشهد القتل وحده، بل ذلك السؤال الأكثر إيلاماً: كيف يمكن لقلب إنسان أن يبلغ من القسوة ما يجعله يستبيح حياة إنسان آخر؟ وكيف يمكن أن يبلغ الإنسان من الغرور واليقين بامتلاك الحق، حدّ أن يجد في نفسه مبرراً لسفك دماء الآخرين؟
أعادني هذا المشهد إلى قصة ابني آدم، وإلى تساؤل طالما شغل تفكيري حول المغزى العميق من ذكرها في القرآن…
يقول تعالى في سورة المائدة :
۞ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30)
اعتدنا أن نفهم القصة على أن القاتل هو من لم يتقبل قربانه، وأن دافعه كان الغيرة والحسد.
لكن القرآن لم يصرح أي الأخوين كان القاتل!
فماذا لو كان القاتل هو الذي تقبل قربانه، فقادته نفسه إلى الاستعلاء على أخيه، متوهماً أن قربه من الله يمنحه الحق في قتله؟
ألا يفتح قوله تعالى: “فأصبح من الخاسرين” باب التساؤل عما خسره القاتل؟ وهل خسر ما ناله من قبول حين استباح دم أخيه؟
وماذا عن قول المقتول: “أن تبوء بإثمي وإثمك”؟ ألا يدعونا ذلك إلى مزيد من التأمل في موقع كل من الأخوين؟
إنها تساؤلات لا تحسم هوية القاتل، لكنها تفتح باباً لمعنى أعمق وأشد خطورة…
فلعل العبرة تتجاوز الغيرة والحسد، إلى التحذير من التطرف والنظرة الاستعلائية، حين يتحول الشعور بالقرب من الله إلى وهم بالاصطفاء واحتكار الحقيقة، حتى يستبيح الإنسان دم أخيه متوهماً أنه يتقرب بذلك إلى الله!
ولعل من أبلغ دلالات القصة أن الأخ المهدد بالقتل لم يقابل التهديد بمثله، بل جعل خوفه من الله سبباً لامتناعه عن القتل.
وكأنها رسالة للإنسانية ألا نواجه التطرف بتطرف مثله، ولا نرد على الظلم بظلم، ولا نسمح للكراهية أن تنتزع من قلوبنا ما فقدته من قلوب أصحابها.
ثم يأتي في سياق الآيات بعدها قوله تعالى:
“أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً”
لتؤكد على الخطر العظيم الذي ينبغي أن تحذر الإنسانية منه جميعاً، حتى لا نكرر باسم الرسالات ما جاءت الرسالات لتمنعنا منه.
رحم الله أبرياء الكرك، وربط على قلوب ذويهم، وشفى المصابين، وحفظ الأردن والإنسانية من كل فكر يستبيح الحياة باسم الإيمان …

