إربد.. الفطر البري “خطر صامت” يهدد الموائد وتسممات شبه يومية

إربد – مع بدء موسم الأمطار في محافظة إربد، تكتسي الغابات والحقول والمناطق الزراعية بحُلّة خضراء زاهية، وينمو من الأرض “الفطر البري” بألوانه الجذابة وأشكاله المتنوعة، ليتحول إلى “عدو متخفٍ” يتربص بهواة جمعه، ويضع حياة العائلات أمام خطر التسمم.
موروث شعبي
لطالما كان هذا الضيف الموسمي جزءا من الهوية التراثية والمائدة التقليدية، عاكسا تراث المنطقة وعادات العائلات في جمع خيرات الطبيعة وإعدادها.
فقد اعتادت العائلات منذ أجيال على جمع الفطر البري وإدخاله في وجباتها المنزلية، في طقوس موسمية تحمل عبق التراث والموروث الشعبي.
يختلط هذا التقليد العريق بخطر صامت يهدد حياة الأطفال وكبار السن على حد سواء، لا سيما مع ظهور أنواع سامة يصعب تمييزها بالعين المجردة.
وقد عبّر الأهالي عن قلقهم العميق إزاء الانتشار غير المسبوق للفطر هذا الموسم.
وفي منطقة وادي أبو المسود بلواء الكورة، يراقب محمد خطاطبة الأطفال باستمرار، حيث يجمعون الفطر ويلعبون به أثناء التنزه، وقد يتناولونه عن طريق الخطأ أحيانا.
وأشار إلى أن الموسم المطري الغزير زاد من ظهور الفطر البري، وظهرت أنواع سامة جديدة لم يعتدها الأهالي من قبل، مما يزيد من احتمالية التعرض للتسمم.
ويضيف خطاطبة أن حملات التوعية يجب أن تكون مستمرة عبر المدارس والمراكز الصحية ووسائل الإعلام، لتوضيح المخاطر الحقيقية، وللتأكيد على عدم الاعتماد فقط على الخبرة التقليدية القديمة.
ويبيّن المواطن سالم الزعبي من لواء الكورة أن الأمطار الغزيرة أدت إلى ظهور الفطر في مناطق غير مألوفة، مما زاد من احتمال تناوله عن غير قصد من قبل الأهالي، خصوصا في القرى المجاورة للغابات والحقول الزراعية.
ويوضح أن التعاون بين الجهات الصحية والبيئية والإعلامية أصبح ضرورة ملحة لحماية المجتمع، خصوصا في القرى التي يقضي فيها الأطفال والشباب وقتا طويلا في الغابات والحقول، حيث الفضول الطبيعي للأطفال يجعلهم أكثر عرضة للخطر.
أما أم خالد فركزت على خطورة الفضول الطبيعي للأطفال، مشيرة إلى أن لمس الفطر أو اللعب به قد يؤدي إلى تناول أنواع سامة عن طريق الخطأ، وأن المراقبة الأسرية والتوعية المستمرة ضرورة لا غنى عنها، ويجب على المدارس والمراكز الصحية لعب دور فعال في حماية الأطفال والمراهقين، مع تعليمهم كيفية التعامل الآمن مع أي فطر يظهر في البيئة المحيطة بهم.
وينوه أهالي قرية زوبيا إلى انتشار الفطر في مناطق قريبة من المنازل والطرقات، إذ أصبح بعض الأطفال يجمعونه أثناء طريقهم إلى المدرسة، ما جعل الأهالي في حالة ترقب دائم، مؤكدين أن الأطفال الذين كانوا يجمعون الفطر للمرح واللعب صاروا بحاجة لمراقبة دقيقة، بينما لاحظ المزارعون أن انتشار الفطر بهذا الشكل الجديد جعل الناس يفكرون أكثر قبل تناوله، حتى لو كان يبدو مألوفا.
أما في قرية كفر راكب، فيصف الأهالي كيف أن الأمطار الغزيرة أدت إلى انتشار أنواع كبيرة الحجم، يخلط بعضهم بينها وبين الأنواع الصالحة، ما زاد من حالات القلق بين السكان، مشيرين إلى أن الأطفال هناك كانوا يلعبون أثناء جمع الفطر، وبعضهم كان يحمل الفطر مباشرة إلى المنازل، فيما كان بعض المزارعين يشاهدون هذه المشاهد بقلق كبير، ويدركون أن التوعية المستمرة أصبحت ضرورة ملحة لضمان سلامة المجتمع.
ويؤكد عدد من السكان أن الأطفال يخرجون مع ذويهم لجمع الفطر، وبعضهم يحمل الفطر دون أن يعرف خطورته، لافتين إلى أن المواطنين قاموا بوضع علامات تحذيرية عند أطراف الغابات، وتعليم الأطفال عدم الاقتراب من أي فطر غير معروف المصدر.
استنفار طبي ونسب تسمم مقلقة
لم يعد الحديث عن مخاطر الفطر البري مجرد تحذيرات عابرة، فقد سجل مستشفى الأميرة راية الحكومي في لواء الكورة حالات تسمم “شبه يومية” خلال الأسابيع الماضية.
الارتفاع المقلق في حالات التسمم دفع إدارة المستشفى إلى إطلاق صرخة تحذير عاجلة، مؤكدة أن الفطر البري السام يحتوي على مركبات كيميائية معقدة قد تؤدي إلى تسمم سريع أو تدريجي يفتك بأجهزة الجسم.
ووفقا لبيان المستشفى، فإن أعراض التسمم تبدأ غالبا بالغثيان، والإسهال، وآلام المعدة، لكنها قد تتدهور سريعا لتصل إلى اضطراب الرؤية، والتشنجات، وفشل حاد في الكبد والكلى، مما قد يؤدي إلى الوفاة إذا لم يتم التدخل الطبي في الساعات الأولى.
الموروث الشعبي في مواجهة “السموم المتطورة” ودعا البيان المواطنين إلى التوجه الفوري إلى أقرب مركز صحي عند ظهور أي أعراض تسمم، والإبلاغ عن الحالات يسهم بشكل كبير في سرعة التدخل الطبي وتقليل المخاطر، لا سيما مع استمرار انتشار الفطر بكثرة خلال هذا الموسم.
وشدد البيان على أهمية الامتناع التام عن تناول الفطر البري، وشراء الأنواع الصالحة فقط من مصادر موثوقة، مع مراقبة الأطفال في المناطق الحرجية والزراعية، موضحا أن الفطر البري السام يحتوي على مركبات قد تؤدي إلى تسمم سريع أو تدريجي حسب نوع السم والكمية المستهلكة، وأن فترة الحضانة بين تناول الفطر وظهور الأعراض قد تتراوح من ساعات قليلة إلى عدة أيام، مع شدة أكبر لدى الأطفال وكبار السن.
وأكد أن أي محاولة للتمييز بين الفطر الصالح والفطر السام عبر الشكل أو اللون أو الطعم أو الحجم قد تكون مغامرة خطيرة تصل إلى حد الوفاة، وأن التدخل الطبي المبكر هو العامل الحاسم في إنقاذ حياة المصابين.
الخبرة التقليدية لم تعد كافية
يقول رئيس جمعية التنمية للإنسان والبيئة الأردنية والخبير البيئي الدكتور أحمد جبر الشريدة: “إن انتشار الفطر البري مرتبط بالعوامل المناخية والتغيرات البيئية؛ إذ ساعدت الأمطار الغزيرة والتقلبات الجوية على زيادة تنوع الفطر وانتشاره بشكل غير مسبوق، بما في ذلك الأنواع السامة التي يصعب تمييزها بالعين المجردة”، موضحا أن الاعتماد على الخبرة الشعبية لم يعد كافيا لمواجهة هذا الخطر، وأن الحملات التوعوية والتثقيفية المستمرة أصبحت ضرورة حيوية، مع التركيز على حماية الأطفال والمراهقين الذين يقضون وقتا طويلا في الغابات والحقول.
ويضيف أن الاعتماد في الأردن ما يزال قائما إلى حد كبير على الموروث الشعبي والخبرة المتوارثة في التمييز بين الفطر الصالح والسام، إلا أن هذه الطرق، رغم انتشارها، لا تعد آمنة دائما، خاصة مع وجود أنواع سامة تتشابه بشكل كبير مع أنواع غير سامة، ما يزيد من احتمالية الخطأ وحدوث حالات تسمم.
ويؤكد أن التعاون بين الجهات الصحية والبيئية والإعلامية يشكل شبكة حماية ضرورية لضمان وصول المعلومات الدقيقة إلى المواطنين، وشرح طرق التعامل الآمن مع الفطر البري، وضرورة تجنب تناوله أو ترك الأطفال بالقرب منه، لافتا إلى أن الانتشار الواسع للفطر البري خلال الموسم الحالي يعود إلى عدة أسباب طبيعية، في مقدمتها بداية الموسم المطري بشكل مبكر، إضافة إلى تحسّن خصوبة التربة وارتفاع نسبة المواد العضوية فيها، ما وفر بيئة مثالية لنمو الفطر بكثافة، وجعل من هذا الموسم موسما استثنائيا لظهوره في مختلف المناطق.
وبين الشريدة أن الفطر يُعد من الكائنات التي ما زالت محل جدل علمي من حيث تصنيفه، إذ تختلف الآراء حول تبعيته للمملكة النباتية أو الحيوانية، نظرا لامتلاكه خصائص مشتركة بينهما، فيما صنفه بعض العلماء كجنس ثالث مستقل، مشيرا إلى أن عدد أنواع الفطر حول العالم يُقدّر بنحو 13 ألف نوع، تتفاوت بين الصالح للاستهلاك البشري والسام.
ويشدد الشريدة على ضرورة عدم تناول أي نوع من الفطر البري إلا بعد التأكد الكامل من سلامته، ويفضّل أن يكون ذلك عبر مختصين أو أشخاص يمتلكون خبرة علمية دقيقة، مؤكدا أن بعض أنواع الفطر السام لا تزول سميّتها بالطهي أو التجميد أو أي طريقة أخرى، ما يجعل الوقاية والوعي المجتمعي أمرا بالغ الأهمية خلال الموسم المطري.
ويرى الشريدة أن الاعتماد على الصفات الظاهرية للفطر، سواء من حيث الشكل أو اللون أو الرائحة، لا يعد وسيلة آمنة أو كافية لمعرفة مدى صلاحيته للاستهلاك البشري، موضحا أن كثيرا من أنواع الفطر السام تتشابه بشكل كبير مع الأنواع غير السامة، ما يجعل التمييز بينها أمرا بالغ الخطورة.
ويؤكد المواطن محمد ملكاوي من لواء بني كنانة أن الخبرة التقليدية لم تعد كافية، وأن المدارس والمراكز الصحية يجب أن تعزز التوعية بشكل يومي لتعليم الأطفال كيفية التمييز بين الأنواع الخطرة وغير الخطرة بطريقة آمنة، أو الامتناع عن الاقتراب منها تماما، مضيفا أن الفطر أصبح جزءا من الروتين الموسمي للعائلات، لكن الخطر المستمر يجعلهم يراقبون الأطفال بشكل دائم، مؤكدا أن بعض الأطفال أصبحوا يعرفون أسماء أنواع الفطر من خلال تعليم الأهل، لكنهم أحيانا يخلطون بين الأنواع بسبب تشابه الألوان والأشكال، ما يزيد الحاجة للتوعية المستمرة.
ويبين أن الفطر السام عادة ما يحمل علامات تحذيرية تدعو للشك، مثل أن معظم الفطر السام له خياشيم بيضاء، بينما في الصالح للأكل يتغير لونها، ووجود “تنورة” أو حلقة حول الساق أو انتفاخ في القاعدة (كيس أو جُبَّة) يدل على سمية محتملة، قائلا: “الفطر السام عادة ما تكون ألوانه زاهية، خاصة القبعات الحمراء المنقطة بالأبيض التي تدل غالبا على سمية قاتلة، كما أن رائحة الفطر السام عادة ما تكون رائحة غير جيدة أو كيميائية وكريهة، كما أن بعض الأنواع السامة يتغير لونها للأزرق أو الأخضر عند القطع، ولكن ليس دائما”.
ويضيف: ورغم ذلك فلا توجد قاعدة واحدة مضمونة، ويبقى الخيار الآمن هو عدم تناول أي فطر بري إلا إذا كان الإنسان خبيرا، لأن بعض الأنواع السامة تشبه الصالحة للأكل وتسبب تسمما شديدا وقد يصل الأمر للوفاة.

