اختصار مراسم العزاء.. هل يخفف عن أهل الفقيد أم يضعف الروابط الاجتماعية؟

عمان- لم يعد النقاش حول مراسم العزاء يقتصر على المجالس الاجتماعية، بل امتد خلال الأيام الماضية إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث أثارت الدعوات إلى اختصار مدة العزاء والتخفيف من تكاليفه تفاعلا واسعا بين الأردنيين.
وبين مؤيد يرى أن الغاية الأساسية من العزاء هي مواساة أهل المتوفى وتخفيف مصابهم بعيدا عن الأعباء المالية والاجتماعية، وآخر يتمسك ببيوت العزاء باعتبارها جزءا من منظومة التكافل الاجتماعي، برزت تساؤلات حول كيفية تحقيق التوازن بين الحفاظ على هذه القيم الإنسانية والتخفيف من الأعباء التي تتحملها الأسر المفجوعة.
ومن بين الآراء المطروحة بشكل عشوائي على مواقع التواصل الاجتماعي، يقول عماد إن الأولى بالمجتمع هو مساندة أهل المتوفى والتخفيف عنهم، لا تحميلهم أعباء إضافية. ويرى أن من العادات المحمودة إعداد الطعام لأسرة الفقيد في اليومين الأولين لمساعدتهم على تجاوز ظروفهم الصعبة، بدلا من تكليفهم باستقبال الضيوف وتقديم الضيافة، مؤكدا أن العزاء وجد للمواساة وتعزيز قيم التكافل والتراحم.
مراجعة أوسع للمظاهر الاجتماعية المكلفة
فيما يرى ياسين أن اختصار مراسم العزاء يبقى خيارا شخصيا يعود إلى أهل المتوفى، فمن شاء إقامة مجلس عزاء فله ذلك، ومن فضل استقبال المعزين في منزله فله ذلك أيضا. ويشير إلى أنه سبق أن خاض هذه التجربة، ولم يؤثر ذلك في أداء واجب المواساة أو تقديم التعزية.
أما أم عمر، فتبدي تخوفها من أن يؤدي التوسع في اختصار مراسم العزاء مستقبلا إلى الاكتفاء بالتعزية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، معتبرة أن ذلك قد يضعف العلاقات الاجتماعية ويقلل من التواصل المباشر بين الناس، بما ينعكس سلبا على الترابط.
ومن الآراء الأخرى، ما يقوله منير، من أن الدعوة إلى اختصار مراسم العزاء ينبغي أن تكون جزءا من مراجعة أوسع للمظاهر الاجتماعية المكلفة، سواء في العزاء أو مناسبات الفرح. ويؤكد أن العزاء يجب أن يبقى مناسبة للمواساة والتكافل بعيداً عن التكلف، وأن يكون الإنفاق فيه ضمن حدود الاستطاعة من دون تحميل الأسر أعباء تفوق قدرتها. ويضيف أن مناسبات الحزن تكشف الأشخاص الأقرب إلى أهل الفقيد، كما تسهم مجالس العزاء في الحفاظ على التواصل الاجتماعي وتعزيز العلاقات الإنسانية، وهو ما يجعلها تؤدي دورا اجتماعيا مهما إلى جانب دورها في المواساة.
الدعم النفسي الذي يحتاجه الإنسان
وللموضوع عدة جوانب، قد يبدو أهمها الدعم النفسي الذي يحتاجه الإنسان عند فقد عزيز عليه. وهنا تؤكد اختصاصية الإرشاد النفسي والأسري الدكتورة خولة السعايدة، أن الدعم النفسي والاجتماعي يعد أحد الركائز الأساسية للصحة النفسية، ليس فقط في أوقات الأزمات الكبرى، وإنما حتى عند مواجهة ضغوط الحياة اليومية، كالفشل أو المشكلات المالية أو غيرها.
لذلك، فإن الحاجة إلى هذا الدعم تصبح أكثر إلحاحا عند فقدان شخص عزيز، إذ يعد الموت من أشد الضغوط النفسية التي قد يتعرض لها الإنسان، وفق تصنيفات علم النفس.
وتشير السعايدة إلى أن دعوات المطالبة بتخفيف إجراءات ومراسم العزاء لا تستهدف إلغاء قيمة المواساة، وإنما تهدف إلى تقليل الأعباء المالية والتنظيمية التي تتحملها أسرة المتوفى، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، فإطالة ساعات وأيام استقبال المعزين قد تتحول إلى عبء إضافي على أهل الفقيد، في وقت هم بأمس الحاجة إلى الراحة والدعم الحقيقي.
كما ترى أن المطلوب ليس الاستغناء عن بيوت العزاء، وإنما إعادة توجيه دورها لتؤدي رسالتها الأساسية، وهي تقديم المواساة والدعم النفسي والاجتماعي لأسرة المتوفى، بعيدا عن المظاهر والالتزامات التي قد تثقل كاهلهم.
كما أن احتياجات أفراد الأسرة تختلف باختلاف صلتهم بالمتوفى وطبيعة استجابتهم للحزن، ما يجعل وجود أقارب وأصدقاء داعمين، وربما مختصين في الصحة النفسية عند الحاجة، أكثر أهمية من أي مظاهر اجتماعية أخرى.
تكاتف وتعاضد ومساندة جماعية
وتشير السعايدة أيضا إلى أن بيوت العزاء وجدت للتخفيف عن أهل المتوفى ومساندتهم، لا لإضافة أعباء جديدة عليهم، داعية إلى ترسيخ ثقافة تجعل من العزاء مساحة للدعم النفسي والاجتماعي الحقيقي، بما يحقق الغاية الإنسانية التي شُرعت من أجلها المواساة.
لكن العلاقات الإنسانية لا تقف عند حدود أشخاص محددين أو أعداد قليلة، وإنما تقوم على مجتمعات كبيرة لها تأثير واضح في كل مناسبة، وهذا ما يميز المجتمعات العربية بما تتسم به من تكاتف وتعاضد ومساندة جماعية وليس فقط على مستوى الأسرة.
ومن هنا، ترى خبيرة علم الاجتماع الدكتورة فادية إبراهيم أن التحولات التي شهدتها المجتمعات خلال السنوات الأخيرة دفعت كثيرين إلى إعادة النظر في بعض الممارسات المرتبطة بالعزاء، ليس رفضا لقيمه الإنسانية، وإنما رغبة في التخفيف من الأعباء التي أصبحت تثقل كاهل الأسر المفجوعة. وتوضح إبراهيم أن ارتفاع تكاليف الضيافة وضغوط العمل، وتسارع وتيرة الحياة، كلها عوامل جعلت البعض يشعر بأن مراسم العزاء الطويلة تحولت أحيانا إلى عبء مادي ونفسي يضاف إلى ألم الفقد.
عادات أكثر بساطة وأقل تكلفة
وفيما يتعلق بتصاعد الدعوات إلى اختصار مراسم العزاء في الوقت الحالي، تعتقد إبراهيم أنها ترتبط بعدة عوامل اجتماعية، في مقدمتها الضغوط الاقتصادية التي دفعت كثيرا من الأسر إلى المطالبة بعادات أكثر بساطة وأقل تكلفة.
كما أن تغير طبيعة العلاقات الاجتماعية، وانتشار وسائل التواصل والاتصال الحديثة، أتاحا للأفراد تقديم المواساة بوسائل متعددة، ولم يعد الحضور الطويل شرطا وحيدا للتعبير عن التعاطف، مشيرة إلى أن ارتفاع مستوى الوعي المجتمعي بأهمية مراعاة ظروف أهل المتوفى أسهم أيضاً في إعادة التأكيد على أن جوهر العزاء يكمن في المواساة، لا في المظاهر.
وفي المقابل، تؤكد إبراهيم أن شريحة واسعة من المجتمع ما تزال تتمسك بالعادات التقليدية باعتبارها جزءاً من الهوية الثقافية والإرث الاجتماعي، إذ يخشى كثيرون أن يؤدي تقليص مراسم العزاء إلى إضعاف الروابط بين أفراد المجتمع، ولا سيما في البيئات التي تشكل فيها العلاقات الأسرية والعشائرية ركنا أساسياً من التماسك الاجتماعي.
كما ترى أن هذا التخوف مفهوم، لأن العزاء يمثل مساحة يلتقي فيها الأقارب والجيران والأصدقاء لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي لأسرة الفقيد، إذ إنه ومن منظور علم الاجتماع، فإن “قوة الترابط الاجتماعي لا تقاس بعدد أيام العزاء، وإنما بجودة العلاقات الإنسانية وصدق المشاركة”.
ووفق إبراهيم: “التكافل الاجتماعي لا يرتبط بطول المراسم، بل بوجود أفراد يبادرون إلى الوقوف إلى جانب الأسرة ومساندتها معنوياً وعملياً، سواء كان ذلك في يوم واحد أو عدة أيام”، لافتة إلى أن تجارب العديد من المجتمعات أثبتت أن بعض العادات يمكن أن تتطور بما يتناسب مع المتغيرات، دون أن تفقد قيمتها الأساسية.
القيم الاجتماعية الأصيلة هل تقاس بعدد الأيام؟
وتؤكد إبراهيم أن اختصار العزاء لا يعني بالضرورة تراجعا في القيم الاجتماعية، بل قد يكون محاولة لإعادة التوازن بين المحافظة على جوهر التكافل الاجتماعي، وبين التكيف مع متطلبات الحياة الحديثة، فالمجتمعات، ليست جامدة، وإنما تعيد صياغة بعض عاداتها بما يحافظ على قيمها الأساسية ويخفف في الوقت ذاته من الأعباء غير الضرورية.
التحدي الحقيقي هنا، بحسب إبراهيم، يتمثل في الحفاظ على روح العزاء بوصفه مناسبة للتضامن والتراحم، بعيدا عن المبالغة في المظاهر أو التكاليف، وأن القيم الاجتماعية الأصيلة لا تقاس بعدد الأيام أو حجم الضيافة، وإنما بقدرة المجتمع على احتضان أفراده في لحظات الألم، وتقديم الدعم الذي يخفف عنهم وطأة الفقد، وهو ما يشكل جوهر التكافل الذي تحتاجه المجتمعات في كل زمان.
وما بين ضوابط اجتماعية باتت مسلمات، وحاجة نفسية للدعم والمؤازرة في أوقات الحزن العميق في حالات الفقد، والتي صنفتها منظمة الصحة العالمية على أنها من أشد الأوقات التي يعاني فيها الفرد آلاما نفسية، يبين أستاذ الفقه والدراسات الإسلامية منذر زيتون أن العزاء في الإسلام يقوم أساسا على المواساة.
يوضح زيتون، أن المواساة تكون بالكلمة الطيبة والدعاء الصادق والتخفيف عن أهل الفقيد، كالدعاء لهم بالصبر والاحتساب، وسؤال الله أن يتقبل المتوفى بواسع رحمته ويجمعه مع أهله في جنات النعيم.
المشكلة تكمن في المغالاة بالإنفاق
ويعتقد زيتون أن إقامة مجالس العزاء ليست من السنن الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، إذ لم يثبت أنه أمر بها أو داوم عليها، كما لم تكن معروفة بهذا الشكل في عهد الصحابة، مشيراً إلى أن هذه المجالس ظهرت لاحقا نتيجة تغير ظروف حياة الناس.
ويقول زيتون إن ما جعل كثيرين لا يتمكنون من حضور الدفن أو تقديم التعزية مباشرة بعد الصلاة على الميت، أظهر الحاجة إلى تخصيص وقت لاستقبال المعزين، أما السبب الثاني فيعود إلى تغير طبيعة المساكن، إذ لم تعد البيوت تتسع لاستقبال الأعداد الكبيرة من الزوار كما كان الحال في الماضي، الأمر الذي دفع الناس إلى استئجار الصالات أو إقامة بيوت الشعر والمجالس لاستقبال المعزين.
ويؤكد زيتون أن هذه الممارسات لا تعد من الشعائر الدينية، لكنها في الوقت نفسه ليست محرمة ما دامت تخلو من المبالغة والتكلف، ويرى أن المشكلة تكمن في المغالاة بالإنفاق، إذ تتحمل بعض الأسر أعباء مالية كبيرة لاستئجار القاعات وتقديم الضيافة، وهو ما يضيف أعباء جديدة إلى معاناتهم في وقت الحزن.
ويشير زيتون إلى أن من المظاهر التي لا يراها محبذة أن يتحمل أهل الميت مسؤولية تقديم الطعام للزوار، وكأنهم في مناسبة سعيدة، موضحا أن الولائم في الإسلام ترتبط بالأفراح، بينما السنة النبوية تدعو إلى أن يقوم الناس بإعداد الطعام لأهل الميت، لا أن يتكلف أهل الفقيد بإطعام الآخرين.
الحفاظ على جوهر العزاء كمناسبة للمواساة
ويستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم “اصنعوا لآل جعفر طعاماً”، مبيناً أن المقصود هو إعداد الطعام لأهل المتوفى الموجودين في منزله، لمساعدتهم في ظروفهم، وليس إقامة ولائم عامة يحضرها الأقارب وسائر المعزين.
ويرى زيتون أن اختصار مجالس العزاء إلى يوم واحد يعد حلا يحقق مقاصد الشريعة ويخفف عن أهل الفقيد، لافتا إلى أن استمرار العزاء ثلاثة أيام يفرض أعباء مادية ونفسية كبيرة، إذ يضطر أهل الميت إلى تعطيل أعمالهم والبقاء لساعات طويلة لاستقبال الزوار، رغم أنهم يعيشون ظروفا صعبة تستدعي الراحة والهدوء.
ويؤكد أن الصورة الأكمل للتعزية بالنسبة للرجال تتمثل في المشاركة في الصلاة على الجنازة وتشييعها إلى المقبرة، مستشهدا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان”.
وفي حال تعذر الحضور، يمكن تقديم التعزية عبر الاتصال الهاتفي أو الرسائل، أو عند اللقاء بأهل المتوفى في المسجد أو مكان العمل أو غيرهما، فالمقصود هو تحقيق المواساة، وليس الالتزام بشكل معين. ويختتم زيتون بالتأكيد على أن بعض العادات التي ترافق اليوم الأخير من العزاء، مثل إقامة الولائم أو تقديم الحلوى، ليست من الأمور التي يحبذها الشرع، لأنها ترتبط عادة بالمناسبات السعيدة، مشددا على أن المطلوب هو الحفاظ على جوهر العزاء باعتباره مناسبة للمواساة والتراحم، بعيدا عن المظاهر والتكاليف التي تثقل كاهل أهل الفقيد.

