اكتشافات أثرية جديدة للقبيلة الذهبية في كازاخستان

توكاييف:  القبيلة الذهبية إحدى أكبر الكيانات السياسية في التاريخ

أستانا — تدخل كازاخستان مرحلة جديدة في استكشاف تاريخ القبيلة الذهبية، مع بروز اكتشافات أثرية ومبادرات للتعاون الأكاديمي الدولي تسهم في تقديم رؤى أكثر عمقاً حول واحدة من أبرز القوى السياسية والحضارية التي أثّرت في تاريخ أوراسيا خلال العصور الوسطى، فيما قال الرئيس الكازاخي قاسم جومارتتوكاييف بأن  القبيلة الذهبية إحدى أكبر الكيانات السياسية في التاريخ، مشددا على في كلمته على ضرورة إعادة قراءة تاريخ القبيلة الذهبية بمنهج علمي موضوعي، بعيداً عن التسييس والأحكام المسبقة، داعياً إلى تعزيز التعاون بين المؤرخين والباحثين والمؤسسات الأكاديمية في مختلف الدول، من أجل تقديم صورة أكثر إنصافاً وشمولاً عن حضارات السهوب الكبرى.

وجاء أحدث هذه التطورات في 28 أكتوبر 2026، عندما أعلن علماء آثار عن اكتشاف أدلة على أنشطة إنتاج الحديد تعود إلى حقبة القبيلة الذهبية في منطقة باياناول التابعة لمقاطعة بافلودار. ويمثّل هذا الاكتشاف فرصة مهمة لدراسة الأنشطة الاقتصادية اليومية للمجتمعات البدوية في العصور الوسطى، بما يتجاوز التركيز التقليدي على الحكام والحملات العسكرية والمراكز الحضرية الكبرى.

وقد تمت اكتشافات أثرية حديثة في مقاطعة بافلودار، إلى جانب مبادرات بحثية دولية واسعة في أستانا وشمال كازاخستان، تسلّط الضوء مجدداً على التاريخ الاقتصادي والثقافي والاجتماعي للقبيلة الذهبية.

وقد عثر الباحثون على بقايا خبث الحديد وآثار للفحم في مواقع استيطانية تعود إلى تلك الحقبة. وأكدت تحاليل التأريخ بالكربون المشع، بما في ذلك الفحوص المخبرية التي أُجريت في اليابان، أن هذه المواد تعود إلى العصور الوسطى. ويواصل المختصون حالياً دراسة المكتشفات لفهم أساليب إنتاج الحديد، والمواد الخام المستخدمة، ومستوى المعرفة التقنية التي امتلكتها المجتمعات التي عاشت في الجزء الشمالي الشرقي من منطقة سارياركا.

وبحسب عالم الآثار إيليا ميرتس، الباحث في مركز ألكاي مارغولان المشترك للبحوث الأثرية، فإن هذا الاكتشاف يسهم في معالجة فجوة مهمة في فهم التاريخ الإقليمي. ففي حين ركزت دراسات سابقة إلى حد كبير على المجمعات الجنائزية والتذكارية، لم تحظَ المستوطنات والأنشطة الإنتاجية للمجتمعات البدوية العادية بالقدر الكافي من الاهتمام.

ومن شأن هذه النتائج أن تساعد في إعادة رسم صورة أكثر اكتمالاً للحياة خلال عهد القبيلة الذهبية، بما في ذلك كيفية استغلال السكان للموارد المحلية، وصناعة الأدوات، وتلبية احتياجاتهم اليومية. كما تؤكد أهمية دراسة الأسس الاقتصادية التي قامت عليها مجتمعات السهوب في العصور الوسطى.

مشهد أثري يتسع نطاقه

يأتي اكتشاف باياناول في إطار جهود أوسع تبذلها كازاخستان لدراسة حضور القبيلة الذهبية في المناطق التي تشكّل اليوم أراضي الدولة، ففي يوليو 2026، أعلن علماء آثار عن نتائج جديدة لأبحاث أُجريت في شمال كازاخستان، عقب أعمال ميدانية في منطقة جانتاي والمواقع المحيطة بها في حوض نهر إيرتيش. وشملت البعثة مواقع تقع بالقرب من بحيرة كيزيلكاك وأودية أنهار أولينتيوشيديرتيوسيليتي. ومن بين المكتشفات شظايا من الطوب المحروق يُعتقد أنها تعود إلى منشأة معمارية كبيرة.

وأشار الباحثون إلى أن أبعاد الطوب، التي تبلغ نحو 25 × 25 سنتيمتراً، تتوافق مع مقاسات مواد البناء المستخدمة خلال حقبة القبيلة الذهبية. كما استعان الفريق بتقنيات حديثة، من بينها تقنية الليدار (LiDAR) والرادار المخترق للأرض، بهدف تحديد المعالم الأثرية المدفونة واستكشافها دون الحاجة إلى البدء مباشرة بأعمال الحفر الموسعة.

وتفتح هذه التقنيات آفاقاً جديدة أمام البحث الأثري، إذ تتيح للمتخصصين رصد المنشآت المحتملة وأنماط الاستيطان قبل الانتقال إلى مراحل التنقيب والدراسة التفصيلية.

وفي سبتمبر 2026، حظي شمال كازاخستان بمزيد من الاهتمام البحثي، عندما نظمت جامعة كوزيباييف مائدة مستديرة دولية بعنوان «شمال كازاخستان ضمن منظومة الاتصالات في السهوب خلال عهد القبيلة الذهبية». وشارك في النقاش باحثون من كازاخستان وروسيا والولايات المتحدة وتركيا، تناولوا الدور التاريخي للمنطقة في شبكات التواصل السياسي والتجاري والثقافي في فضاء السهوب خلال العصور الوسطى.

وأكدت المناقشات أهمية النظر إلى شمال كازاخستان ليس باعتباره منطقة نائية أو هامشية، بل جزءاً من فضاء أوراسي واسع ارتبط بشبكات الحركة والتبادل والتواصل. كما تناول الباحثون الأدلة الأثرية المكتشفة في مواقع من بينها كيزيل أوبا وآك إيري.

أستانا تضع تاريخ القبيلة الذهبية على أجندة البحث الدولي

شهدت العاصمة أستانا أحد أبرز الأحداث المرتبطة بهذا الملف خلال عام 2026، باستضافتها في 19 و20 مايو الندوة الدولية بعنوان «القبيلة الذهبية نموذجاً لحضارة السهوب: التاريخ والآثار والثقافة والهوية»، وذلك برعاية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).

وافتُتحت أعمال الندوة بمشاركة الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارتتوكاييف، وشهدت حضور أكثر من 350 مشاركاً من أكثر من 20 دولة، بينهم مؤرخون وعلماء آثار ومتخصصون في الدراسات الشرقية والتركية وباحثون وخبراء في مجال التراث الثقافي.

وناقشت الندوة الأبعاد السياسية والاقتصادية والثقافية والروحية لـ«أولوس جوجي»، الكيان التاريخي المعروف على نطاق واسع باسم القبيلة الذهبية. وعكست جلساتها تنامي الاهتمام بدراسة هذا الكيان ليس باعتباره مجرد قوة سياسية في العصور الوسطى، بل مركزاً رئيسياً للتفاعل الحضاري عبر منطقة أوراسيا الوسطى.

وكان من أبرز فعاليات الحدث معرض متخصص عرض مجموعة من القطع الأثرية والوثائق التاريخية والمواد الثقافية المرتبطة بتلك الحقبة. كما تضمن المعرض خريطة تفاعلية سلطت الضوء على 70 معلماً أثرياً ومعمارياً، جرى تزويد 17 منها بأوصاف تفصيلية وصور جوية ونماذج ثلاثية الأبعاد.

وشملت المعروضات أيضاً عملات معدنية ومخطوطات ومراسلات دبلوماسية ومراسيم تاريخية ووثائق تتعلق بأنساب الأسر الحاكمة. كما جرى تسليط الضوء على مواقع تاريخية بارزة، من بينها سرايشقوسيغاناكوبارشينكنت، بما يعكس الامتداد الجغرافي والثقافي الواسع لإرث القبيلة الذهبية في المنطقة.

ومن أبرز مخرجات الندوة اعتماد «إعلان أستانا بشأن تراث القبيلة الذهبية»، الذي يهدف إلى تشجيع التعاون العلمي الدولي، وتعزيز الروابط بين المؤسسات البحثية، ودعم المزيد من الدراسات المتخصصة في الإرث التاريخي لـ«أولوس جوجي».

توكاييف: القبيلة الذهبية إحدى أكبر الكيانات السياسية في التاريخ

لم تقتصر أهمية الندوة الدولية على النقاشات الأكاديمية والاكتشافات الأثرية، بل شكّلت أيضاً مناسبة عرض خلالها الرئيس توكاييف رؤيته لمكانة القبيلة الذهبية في التاريخ الأوراسي، وصلتها بتشكّل الدولة والهوية الكازاخستانية المعاصرة.

وشدد توكاييف في كلمته على ضرورة إعادة قراءة تاريخ القبيلة الذهبية بمنهج علمي موضوعي، بعيداً عن التسييس والأحكام المسبقة، داعياً إلى تعزيز التعاون بين المؤرخين والباحثين والمؤسسات الأكاديمية في مختلف الدول، من أجل تقديم صورة أكثر إنصافاً وشمولاً عن حضارات السهوب الكبرى.

وفي هذا السياق، رفض الرئيس الكازاخستاني التصورات التاريخية التي اختزلت الإمبراطوريات البدوية في قوتها العسكرية وحملاتها التوسعية، مؤكداً أن القبيلة الذهبية لم تكن مجرد قوة عسكرية فرضت نفوذها على مساحات واسعة، بل كانت كياناً سياسياً متطوراً امتلك مؤسسات للحكم، وأنظمة قانونية، وآليات دبلوماسية، وشبكات تجارية، إلى جانب نماذج من التعايش بين جماعات عرقية وديانات متعددة.

وقال توكاييف في كلمته خلال الندوة الدولية حول القبيلة الذهبية برعاية اليونسكو خلال مايو الماضي في العاصمة أستانا “اليوم، لا يشكك أي مؤرخ في قوة القبيلة الذهبية، تلك الإمبراطورية التي حكمت السهوب الكبرى وامتد نفوذها عبر مساحات شاسعة من أوراسيا… لقد كانت هذه الإمبراطورية، التي ربطت بين الشرق والغرب وأثّرت بصورة كبيرة في تطور الحضارات وتشكّل الدول، واحدة من أكبر الكيانات السياسية في التاريخ”.

وأشار توكاييف إلى أن «أولوس جوجي» امتد في أوج قوته على مساحة تجاوزت ستة ملايين كيلومتر مربع، وضم نحو مئة مدينة، فيما استمر حكم السلالة الجوجية لأكثر من ستة قرون، وهو ما يعكس حجم تأثيرها واستمرارية حضورها في التاريخ السياسي لأوراسيا.

كما لفت إلى أن إرث السهوب الكبرى لا يقتصر على الجانب السياسي والعسكري، بل يشمل إسهامات فكرية وروحية وثقافية تركت أثراً عميقاً في المنطقة، مستشهداً بشخصيات بارزة مثل الفارابي والشيخ أحمد يسوي، وما مثّلاه من حضور فكري وروحي في تاريخ آسيا الوسطى.

وفي قراءته للعلاقة بين الماضي والحاضر، قدّم توكاييف كازاخستان باعتبارها وريثة تاريخية لإرث القبيلة الذهبية، مؤكداً أهمية استحضار هذا العمق التاريخي في فهم تطور الدولة الكازاخستانية وهويتها الوطنية. وتندرج هذه الرؤية ضمن توجه أوسع لإعادة الاعتبار لتاريخ السهوب الكبرى، وإبراز دوره في تشكيل المسارات السياسية والحضارية للمنطقة.

وتكتسب هذه التصريحات أهمية إضافية في ضوء الجهود البحثية والأثرية المتواصلة في كازاخستان، إذ لا تنظر البلاد إلى تاريخ القبيلة الذهبية بوصفه مجرد ماضٍ بعيد، بل باعتباره جزءاً من الذاكرة التاريخية والثقافية التي تستحق الدراسة والتوثيق والحفاظ عليها، ضمن إطار علمي منفتح على التعاون مع الباحثين والمؤسسات الدولية.

صون الشواهد المادية للتاريخ

إلى جانب المؤتمرات الكبرى والبحوث الأثرية، تواصل كازاخستان جهودها للحفاظ على القطع الأثرية المرتبطة بتلك الحقبة وعرضها أمام الجمهور.

ففي مايو 2026، جرى ترميم رداء نسائي احتفالي يعود إلى عهد القبيلة الذهبية، عُثر عليه في ضريح بولغان آنا، قبل نقله إلى المتحف الوطني الكازاخستاني. وتمثل هذه القطعة شاهداً مادياً مهماً لدراسة الأزياء والحرف اليدوية والتقاليد الاجتماعية في العصور الوسطى.

وتكتسب مثل هذه الاكتشافات أهمية خاصة، لأن المنسوجات والمقتنيات الشخصية تكشف جوانب من الحياة اليومية التي لا تتناولها المصادر التاريخية المكتوبة في كثير من الأحيان. كما تتيح للباحثين دراسة أنماط الملابس والتقنيات الفنية والروابط التجارية والهويات الثقافية للمجتمعات التي عاشت في فضاء السهوب.

وتُعد الأبحاث الجارية في سرايشق جانباً مهماً آخر من هذه الجهود. فقد كانت هذه المستوطنة التاريخية واحدة من المراكز الحضرية المهمة المرتبطة بعهد القبيلة الذهبية والمراحل التاريخية اللاحقة، ولا تزال تحظى باهتمام الباحثين من خلال مشروع بحثي شامل يشارك فيه متحف ومحمية سرايشق التاريخية ومعهد أبحاث «أولوس جوجي».

ويهدف المشروع إلى تعميق فهم تاريخ المستوطنة وتطورها عبر العصور، من خلال أعمال التنقيب الأثري والدراسة العلمية لمكوناتها التاريخية.

إرث يتجاوز الحدود الوطنية

يعكس تجدد الاهتمام بتاريخ القبيلة الذهبية توجهاً أوسع في كازاخستان نحو دراسة الجذور التاريخية لمنطقة السهوب الكبرى، وفهم تطور الكيانات السياسية والثقافية التي تشكلت في آسيا الوسطى وأوراسيا خلال العصور الوسطى.

وقد نشأت القبيلة الذهبية في القرن الثالث عشر، بوصفها أحد الكيانات السياسية الكبرى المنبثقة عن الإمبراطورية المغولية في أقاليمها الغربية، لتتحول لاحقاً إلى قوة مؤثرة ربطت مساحات شاسعة من السهوب الأوراسية. وشهد تاريخها علاقات معقدة بين المجتمعات البدوية والمستقرة، وشبكات التجارة، والتقاليد الدينية، والاتصالات الدبلوماسية مع الدول المجاورة.

وبالنسبة إلى كازاخستان، ترتبط دراسة «أولوس جوجي» ارتباطاً وثيقاً بالبحث في استمرارية التاريخ السياسي للمنطقة وتطور الكيانات اللاحقة، ومن بينها الخانية الكازاخية. ومع ذلك، فإن الأهمية التاريخية للقبيلة الذهبية لا يمكن حصرها ضمن الحدود الجغرافية لأي دولة معاصرة، إذ يشترك في إرثها التاريخي عدد من الشعوب والدول التي تأثرت مساراتها السياسية والثقافية والاقتصادية بشبكات السهوب في العصور الوسطى.

وتؤكد الاكتشافات الأثرية الأخيرة أهمية استمرار البحث في هذا التاريخ؛ فالأدلة على إنتاج الحديد في باياناول، والبقايا المعمارية في شمال كازاخستان، والوثائق التاريخية المعروضة في أستانا، والقطع الأثرية التي جرى ترميمها من المواقع الجنائزية، كلها تضيف أبعاداً جديدة إلى السجل التاريخي للقبيلة الذهبية.

وتتمثل المهمة المقبلة في الربط بين هذه الاكتشافات من خلال البحث العلمي الدقيق، والحفاظ المسؤول على المواقع واللقى الأثرية، وتعزيز التعاون الدولي بين المؤسسات المتخصصة.

ومع استمرار أعمال التنقيب والدراسة، تسهم كازاخستان في تعميق فهم تاريخ القبيلة الذهبية، ليس باعتبارها إمبراطورية ارتبطت بالخانات والجيوش فحسب، بل بوصفها حضارة معقدة تشكلت عبر التكنولوجيا والتجارة والحرف اليدوية، وكذلك من خلال تفاصيل الحياة اليومية للناس الذين عاشوا في فضاء السهوب الكبرى.

 

 

د.عبدالرحيم عبدالواحد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة