الأغوار الشمالية.. محصول الليمون بين مخاوف الإغراق وسد حاجة السوق

 

الأغوار الشمالية – تتجدد مع بداية كل موسم إنتاج أزمة الليمون المستورد، لتضع القطاع الزراعي أمام معادلة معقدة تتمحور ما بين خسائر متراكمة يتكبدها المزارع المحلي نتيجة ما يصفه بـ”إغراق الأسواق”، وضرورة حماية المستهلك والحفاظ على التوازن بين العرض والطلب من جهة المؤسسات التنظيمية وتجار الاستيراد.

فمع بدء طرح الإنتاج المحلي في الأسواق، تحولت مزارع الليمون في الأغوار الشمالية إلى ساحة احتجاج صامت، إذ يتصاعد الجدل بين مزارعي الحمضيات ووزارة الزراعة إثر تدفق كميات كبيرة من الليمون المستورد إلى المملكة، وسط مخاوف حادة من انعكاسها المباشر على تسويق المنتج المحلي وهبوط أسعاره.
ففي الوقت الذي يرى فيه المزارعون أن غزارة المستورد باتت تهدد قوام أرزاقهم وموسمهم الزراعي، بعد أن تراجعت أسعار المحصول المحلي إلى مستويات قياسية لا تغطي كلفة الإنتاج، تؤكد وزارة الزراعة أن قرارات الاستيراد لا تستهدف منافسة المنتج الوطني، وإنما جاءت لسد الفجوة بين حجم الإنتاج المحلي وحاجة الاستهلاك الفعلي في الأسواق، وفق دراسات ومعطيات دقيقة.
مزارعون.. الاستيراد يتزامن
مع ذروة الإنتاج
يرى مزارعون وممثلو جمعيات الحمضيات أن السبب الرئيس للأزمة يعود إلى عدم الالتزام الدقيق بالروزنامة الزراعية، إذ يتم التمديد لتدفق الشحنات المستوردة، خاصة من إفريقيا ومصر، بالتزامن مع دخول الإنتاج المحلي للأسواق المركزية، إضافة إلى إدخال كميات تفوق الفجوة الاستهلاكية الفعلية، ما يخلق حالة إشباع في السوق تؤدي إلى عدم قدرة المنتج البلدي على المنافسة السعرية، والذي أدى إلى انخفاض سعر الكيلوغرام المحلي إلى مستويات تجعل بيعه خسارة مباشرة للمزارع.
ويؤكد مزارعون أن المشكلة لا تتمثل في الاستيراد بصورة مطلقة، وإنما في توقيت دخول المنتج المستورد وحجم الكميات مقارنة بالإنتاج المحلي، مبينين أن ارتفاع تكاليف الإنتاج، من أسمدة ومبيدات وري وأجور عمال وطاقة ونقل، يجعل أي انخفاض في سعر الليمون في السوق ينعكس مباشرة على دخل المزارع.
ويقول المزارع أيمن أبو زينة: “يقف المزارع في منتصف الأزمة، محاطا بارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية من مياه وأسمدة وأجور أيدٍ عاملة، ليجد منتجه أمام منافسة شرسة من كميات ضخمة دخلت عبر رخص الاستيراد”، مشيرا إلى أن المزارع يبدأ الموسم ويتحمل تكاليف الإنتاج لعدة أشهر، ثم يجد نفسه أمام منافسة مع المنتج المستورد، ما قد يجبره على البيع بأسعار لا تغطي كلفة الإنتاج.
ويؤكد أن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب حلولا جذرية تعتمد على التنسيق والحلول التقنية بدلا من الحلول المؤقتة، مشددا على ضرورة إغلاق منافذ الاستيراد تلقائيا فور وصول المنتج المحلي إلى الحد الأدنى المطلوب يوميا.
ويطالب المزارع محمد علي بوضع آلية واضحة تربط منح رخص الاستيراد بالكميات المحلية المتوفرة فعليا، بحيث يتوقف الاستيراد أو ينخفض عندما تكون الأسواق مزودة بالإنتاج الأردني، منوها إلى ضرورة إيجاد حلول مبتكرة لإنقاذ المزارع خلال فترة ذروة الإنتاج، كتطوير الصناعات التحويلية من مصانع لإنتاج عصائر الليمون والمشتقات الغذائية لاستيعاب الفائض المحلي في أوقات الذروة وتلافي انهيار الأسعار، ودعم كلف الإنتاج من خلال تخفيض أسعار الطاقة والمياه المخصصة للزراعة لرفع قدرة المزارع على الصمود.
ويقول رئيس جمعية الحمضيات الأردنية الزراعية التعاونية، عبدالرحمن الغزاوي، إن وزارة الزراعة سمحت بدخول نحو 12 مليون كيلوغرام من الليمون المستورد خلال المائة يوم الماضية، معتبرا أن هذه الكمية غير مسبوقة وتهدد الموسم المحلي، كما حدث، بحسب وصفه، قبل عامين، موضحا أن الأرقام التي يستند إليها معلنة رسميا على مواقع دائرة الجمارك العامة، إذ إن نحو 5650 طنا دخلت إلى مخازن تبريد تحت الرقابة الجمركية “البوندد”، فيما جرى ضخ الجزء الأكبر منها إلى الأسواق المركزية.
ويؤكد الغزاوي في حديثه مع “الغد” أن سوق عمان المركزي استقبل، وفق البيانات التي أوردها، نحو 4475 طنا، بينما توزعت الكميات المتبقية على الأسواق المركزية الأخرى والمحلات التجارية، مضيفا أن نحو 6200 طن أخرى دخلت المملكة بعد دفع الرسوم والتخليص عليها مباشرة ووضعها في الاستهلاك، معتبرا أن ذلك يثير تساؤلات حول إمكانية بقاء جزء منها في البرادات الخاصة التابعة للمستوردين وبعيدا عن الرقابة الحكومية.
ويبين الغزاوي، منتقدا سياسة الوزارة في إدارة ملف الحمضيات، أن هناك حالة من التسيب والضعف الإداري اللذين انعكسا سلبا على المزارعين، مطالبا وزارة الزراعة بإجراء كشف فوري وعاجل على جميع البرادات الخاصة في المملكة وإحصاء كميات الليمون الموجودة فيها، واتخاذ الإجراءات المناسبة بشأن أي كميات فائضة، بما في ذلك إعادة تصديرها، وعدم السماح بدخولها إلى الأسواق المحلية إذا كانت ستؤثر على المنتج الأردني.
ويؤكد أن الكميات المحلية المتوفرة حاليا كافية لتغطية احتياجات السوق، خصوصا في ظل ضعف القدرة الشرائية للمواطنين وعزوفهم عن عدد من السلع غير الأساسية، داعيا إلى مراجعة القرارات المتعلقة بالاستيراد بما يتناسب مع حجم الإنتاج المحلي وحاجة السوق، وضرورة إعلان نتائج عمليات الكشف والكميات الموجودة في البرادات أمام المواطنين والمزارعين، لأن الشفافية في أرقام الاستيراد والتخزين والتسويق من شأنها إنهاء حالة الجدل القائمة.
الزراعة.. الاستيراد لسد الفجوة
من جهتها، تؤكد وزارة الزراعة أن استيراد الليمون لا يستهدف منافسة المنتج المحلي، وإنما يأتي لسد الفجوة بين الإنتاج المحلي وحاجة السوق، موضحة أن منح رخص الاستيراد يتم وفق معطيات الإنتاج المحلي والكميات المتوفرة في الأسواق وحاجة المستهلك، وأن الهدف هو تحقيق التوازن بين حماية المزارع وتوفير المنتج للمواطن بأسعار مناسبة.
وتوضحت خلال تصريحات صحفية سابقة أن القرارات الخاصة بالاستيراد لا تتخذ بشكل عشوائي، بل تخضع لآلية حساب الفجوة التسويقية وقياس الاحتياج اليومي للأسواق، مشيرة إلى أن السوق المحلي يحتاج إلى نحو 150 طنا يوميا من الليمون، في حين أن الواردات المحلية في فترات بداية الموسم قد لا تتجاوز نصف هذه الكمية، ما يستوجب الاستيراد لمنع نقص السلعة وارتفاع أسعارها على المواطن.
وترى وزارة الزراعة أن معالجة ملف الليمون لا تقتصر على تنظيم الاستيراد، وإنما تحتاج إلى تطوير كامل لسلسلة الإنتاج والتسويق، بما في ذلك التوسع في عمليات التبريد والتشميع والتخزين، الأمر الذي يسمح بإطالة فترة توفر المنتج الأردني في الأسواق، لافتة إلى أن الوزارة تسعى إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من الليمون، بما يقلل الحاجة إلى الاستيراد مستقبلا، إلى جانب العمل على دعم فرص تصدير الفائض إلى الأسواق الخارجية.

 علا عبد اللطيف/ الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة