الأماكن القديمة// سعيد ذياب سليم

أطلّ على الدنيا من نافذته، في صباح خريفي لطيف. بدا له المنظر لوحة زيتية جفّت ألوانها. شاهد الأشجار تنفض بدنها كما تفعل القطط المُبْتَلَّة، فتتطاير منها أوراق جافة. وأحسّ في الجو حضورًا آخر غير الذي يراه، وسمع همسًا لم يكن ليصدقه.
في هذه اللحظة، جاءته رسالة نصية:
«ما رأيك لو التقينا في المكان والموعد المعتاد؟»
وانتهت بكلمة واحدة: «سامية».
أدار ظهره للدنيا الواقفة على نافذته، وقرأ الرسالة للمرة العشرين.
سامية…!
تفحّص الرسالة من جديد. لم يكن ثمة رقم للمرسل. لم يزده ذلك إلا حيرة: لماذا الآن؟
مضى على آخر عهده بها وقت طويل، لم يعد يذكر إن كان يقيسه بالأشهر أم بالسنوات. ولم يخطر بباله أن تكون الرسالة قد أخطأت طريقها إليه؛ فهو لا يؤمن بالصدف.
أخذ يفكر: أيصدّق الرسالة، أم يعتبرها دعابة سمجة؟
وبعد تردد، قرر أن يذهب إلى اللقاء.
أعدّ فنجاني قهوة، سكرهما وسط، للمناسبات السعيدة، ووضعهما في حافظ للحرارة، ثم ملأ قِربة ماء صغيرة. وضع كل ذلك في حقيبة ظهر. حلق ذقنه، وارتدى ملابسه، وخرج حاملاً حقيبته، منتعلًا حذاءً خفيفًا.
وفي طريقه إلى الخارج، قطف من حديقته وردة بيضاء. لولا أنها من أجل سامية لشعر بالأسى لقطفها.
وقبل أن يستقل الحافلة، عرّج على محل للحبوب واشترى قليلًا منها.
نزل من الحافلة قريبًا من المكان، ثم سار في طريق يصعد شيئًا فشيئًا، يدندن بكلمات أغنية قديمة:
«أغار من قلبي إذا هام للقياك…»
يمشي بالفرحة، خفيفًا كطائر، شعر أن أشجار الحديقة تشير إليه باستغراب، وتميل أغصانها إلى بعضها هامسة، كأنها تحيّيه وتعرف سرّ مجيئه. كان يطأ الأوراق الجافة في طريقه، فتخشخش تحت قدميه: كرانش… كرانش… حتى خُيّل إليه أنها تسأله عن حاله.
كانت الحديقة خالية في ذلك الوقت من النهار.
قصد المقعد الذي اعتادا الجلوس عليه. كان وحيدًا، فأزال الأوراق الجافة عنه، ثم دار حوله دورتين، كمن يهيئ في نفسه ما سيقوله لها، وأخيرًا جلس.
صمتت الطيور قليلًا عندما ظهر في المكان، ثم عاد ضجيجها؛ صخبًا لحوحًا مستنكرًا، يسأله:
— لماذا جئت؟
نظر حوله، فرأى النمل يجمع الحصاد لشتاء طويل. مرت به نحلة لم تعره انتباهًا، ثم رفع عينيه إلى الشجرة التي اعتاد الجلوس في ظلها. ابتسم بحنان، كأنه ينظر إلى عيني صديقٍ قديم، لطالما أرخت عليهما ظلها، وسمعت همسات الشوق بينهما، فتهتز أغصانها طربًا. كانت ما تزال خضراء وارفة الظل. كبرت وعلت، وزاد حجمها منذ زيارته الأخيرة.
خاطبها بحنان:
— كبرتِ يا صبيّة!
سمعها تضحك.
التفت باتجاه الصوت. هل جاءت؟
كلا!
ربما كانت روحًا هائمة تداعبه في هذا الفضاء. وهل الذين يزورون الحدائق هم نحن والطيور فقط؟
وهذه الوشوشات والآهات التي نسمعها كلما هبّ الهواء… من يُحدثها إذن؟
حطّ عصفور بالقرب منه، فتذكر الحبوب التي أحضرها. أخرجها من الحقيبة ونثر بعضها قرب الطائر. طار العصفور، ثم عاد ومعه عصفور آخر، وما لبث أن تكاثرت حوله العصافير.
صبّ لنفسه فنجان قهوة، ورشف منه. استوقفه منظر العصافير وهي تتجمع حوله، تلتقط ما نثره من حبوب.
وفجأة، وجدها إلى جواره، تجلس على المقعد نفسه، وعلى شفتيها طيف ابتسامة.
عُقِد لسانه، ولم ينبس ببنت شفة.
شعر بعرق بارد يتصبب على جسده، وأحسّ برعدة خفيفة.
لم تتكلم، لكنه سمع ما كانت قد قالته من قبل:
— هل انتظرت طويلًا؟
— لا، وصلت منذ قليل. أحضرت لكِ فنجان قهوة.
صبّ في فنجانها.
— ووردة… هذه لكِ.
ومدّ يده بها.
لكن عندما نظر إلى حيث كانت تجلس، لم تكن هناك.
فزع، وسحب يده، فأصاب الفنجان الذي أعدّه لها، فانسكب ما فيه من سائل أسود.
سمع الضحكة التي سمعها قبل قليل.
حدّق في المكان الخالي. لم يتبقَّ سوى الوردة البيضاء في يده المتعرقة.
لم تكن سامية هنا، ولن تكون. وتلك التي وارَاها التراب منذ سنوات، قبل أن يكتمل بيتهما، لا يراها على مقاعد الحدائق إلا حين يشتدّ به الحنين في الخريف.
انحنى قليلًا، وأطرق رأسه. سالت دمعة على خده، ثم أخرى. وبقي صامتًا، حتى لا يفزع العصافير، وحتى لا يخيف وشوشات الريح.
وحين هدأ، همّ أن يقوم من مقعده، لكن شيئًا شده بقوة فأجلسه.
جلس مشدوها، كأن أحدًا يقول له:
— انتظر.
وبعد لحظات، تحسس معطفه، فإذا به قد اشتبك بطرف المقعد. خلّصه، وحمل أشياءه، ثم مضى، تاركًا المقعد وحده… ووردة حزينة.
سعيد ذياب سليم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة