“الإدارة المحلية” على طاولة “النواب”: تعديلات لتعزيز صلاحيات المجالس المنتخبة

– من المرجح أن يشرع مجلس النواب هذا الأسبوع، بمناقشة مشروع قانون الإدارة المحلية، بعد أن قطعت اللجنة الإدارية النيابية شوطاً متقدماً في مناقشة المشروع وإقرار معظم مواده، وسط توقعات بأن تنهي اللجنة أعمالها بشأن المشروع وتقره بصيغته النهائية الأسبوع الحالي، تمهيدا لإحالته إلى المجلس لمناقشته تحت القبة، واستكمال مراحله الدستورية.

ويأتي إدراج مشروع القانون، على جدول أعمال المجلس، في وقت تسعى فيه اللجنة الإدارية لإدخال تعديلات على المشروع، بما يعيد تنظيم منظومة الإدارة المحلية، ويوسع دور المجالس البلدية ومجالس المحافظات برسم السياسات واتخاذ القرار، ويعزز أدوات الرقابة على الأداء التنفيذي، ويعالج قضايا متعلقة بالانتخاب والتمثيل والصلاحيات والموارد المالية للبلديات.
وبحسب مسار مناقشات اللجنة، فإن المشروع الذي يتكون من 70 مادة، شهد نقاشات موسعة، أفضت لإقرار معظم مواده، بينما أبقت مواد قيد الدراسة، أبرزها المادتان (11) و(37)، لإخضاعهما لمزيد من البحث القانوني والفني والاستماع لوجهات النظر المختلفة قبل حسمهما.
وتشير المعطيات، إلى أن الأيام المقبلة ستشهد تكثيفاً لاجتماعات اللجنة، بهدف إنجاز ما تبقى من مواد والوصول إلى صيغة نهائية للمشروع قبل إحالته إلى المجلس، في وقت يتوقع بأن تتركز مناقشات النواب تحت القبة، على طبيعة الصلاحيات الممنوحة للمجالس المنتخبة، وحدود العلاقة بينها وبين السلطة التنفيذية، ومدى قدرة القانون على تحقيق اللامركزية بصورة عملية.
اللامركزية في صلب النقاش
تأتي مناقشة المشروع، في سياق أوسع، يتعلق بإعادة بناء منظومة الإدارة المحلية، بحيث لا تبقى اللامركزية عنواناً تشريعياً فقط، بل تتحول لممارسة فعلية تقوم على وضوح الصلاحيات، وتوسيع المشاركة المحلية، وربط القرار بالاحتياجات التنموية للمحافظات والبلديات.
رئيس اللجنة الإدارية النيابية خليفة الديات، أكد أن اللجنة تتعامل مع المشروع بروح تشاركية ومهنية، وتسعى للوصول إلى قانون عصري ومتوازن وشامل، يعزز كفاءة الإدارة المحلية ويرتقي بأداء البلديات، مبينا أنها لم تتعامل مع المواد شكليا، بل أخضعتها للنقاش، بما في ذلك الاستماع لرأي الحكومة والمعنيين، مشيراً إلى أن تأجيل مواد فيه، جاء بهدف الوصول لصياغات أكثر دقة وإحكاماً.
وتتجه اللجنة وفق التعديلات المقرة لتعزيز الدور السياسي والرقابي للمجلس البلدي، بحيث يكون أكثر حضوراً في رسم السياسات العامة، ووضع الخطط والتوجيهات ومتابعة الأعمال التنفيذية.
وفي هذا السياق، عدلت اللجنة المادة (5/أ) بما يعزز دور المجلس البلدي برسم السياسات العامة ومتابعة الأداء التنفيذي، كما عدلت المادة (8/أ) للتأكيد على سلطة القرار المحلي للمجلس، وتعزيز دوره الرقابي والإشرافي ومتابعته للجان والمهام التنفيذية. كما أقرت إضافة تعريفين جديدين للمشروع، هما: “المكلّف” و”المرصد الحضري البلدي التنموي”.
صلاحيات أكبر للمجالس البلدية
ويعد توسيع صلاحيات المجالس البلدية، من أبرز محاور تعديلات اللجنة على المشروع، في محاولة لإعادة التوازن بين المجلس المنتخب والجهاز التنفيذي. كما تتجه التعديلات لترسيخ دور المجلس المنتخب بتحديد الأولويات المحلية ومتابعة تنفيذ الخطط والبرامج، بما يمنحه دوراً أكبر في صناعة القرار المحلي، دون أن يعني ذلك بالضرورة إلغاء الدور التنفيذي أو التداخل في الاختصاصات.
وترى اللجنة، أن تعزيز صلاحيات المجلس البلدي يرتبط مباشرة بتحسين مستوى الخدمات، فالمجالس المنتخبة الأقرب لاحتياجات المواطنين والمشكلات اليومية في مناطقها، وبالتالي فإن منحها دوراً أكبر بتحديد الأولويات، يمكنه الإسهام بتوجيه الموارد للقضايا الأكثر إلحاحاً.
شروط الترشح تحت المجهر
ولم تقتصر تعديلات اللجنة على الصلاحيات، بل امتدت إلى شروط الترشح وآليات شغل المواقع المنتخبة، وأوصت برفع الحد الأدنى لسن الترشح لـ25 عاماً، وإعادة النظر في شروط الترشح، وعدم اشتراط المؤهل العلمي للترشح لرئاسة وعضوية المجالس البلدية، باستثناء المرشح لرئاسة بلديات مراكز المحافظات “الفئة الأولى”.
كما أبقت على شرط حصول الموظف العام على إجازة دون راتب قبل 90 يوماً من موعد الاقتراع، وفي المقابل، رفضت إعادة الموظف العام الذي يفوز بعضوية المجالس المنتخبة إلى وظيفته بعد انتهاء مدة ولايته، في توجه يستهدف معالجة العلاقة بين الوظيفة العامة والمواقع الانتخابية.
شغور منصب رئيس البلدية
ومن التعديلات اللافتة التي ناقشتها اللجنة، تنظيم آلية شغور منصب رئيس البلدية. وبحسب التوجه الذي تبنته، يتولى الرئاسة بالإنابة المرشح الذي يلي الرئيس في عدد الأصوات، بدلاً من الذهاب مباشرة إلى انتخابات جديدة، وتسعى الفكرة هنا، للحفاظ على استمرارية العمل البلدي، وتجنب الفراغ الإداري وما قد يترتب على إعادة الانتخابات من وقت وكلفة وإرباك في عمل البلدية.
حل المجالس وإيقاف عملها
كما أعادت اللجنة النظر في الصلاحيات المتعلقة بحل المجالس المنتخبة، وأوصت بأن يقترن الحل بمدة زمنية محددة، مع ضرورة بيان الأسباب والمبررات التي يستند القرار إليها.
وفي الاتجاه ذاته، ألغت اللجنة صلاحية إيقاف عمل المجلس البلدي، بما يعكس توجهاً نحو تعزيز استقرار المجالس المنتخبة، وعدم تعطيلها إلا ضمن ضوابط قانونية واضحة. كما ألغت الغرامة الواردة في المادة (70) من المشروع بحق من يرتكب مخالفة لم يرد بشأنها نص عقابي في القانون.
وفي الجانب المالي، خفضت اللجنة النسبة المطلوبة للاعتراض على قيمة التكليف من 20 % إلى 10 %، بما يوسع إمكانية الاعتراض على التكليفات، ويفتح المجال أمام مراجعتها وفق آلية أكثر مرونة، كذلك بحثت ملف الرواتب في البلديات، واتجهت لمعالجة نسبتها بصورة تدريجية، في ضوء ما يواجه بعض البلديات من تحديات مالية وارتفاع لكلف النفقات الجارية.
ومن التعديلات المقرة، النص على اعتبار بعض القرارات نافذة حكما في حال انقضاء المدة القانونية المحددة لرد الوزارة من دون صدور قرار، وهو توجه يستهدف الحد من بقاء المعاملات والقرارات معلقة لفترات طويلة.
“المحافظات” والقرار التنموي
وبشأن مجالس المحافظات، اتجهت اللجنة لتوسيع الصلاحيات الممنوحة لأعضائها، بحيث يكون لهم دور أكبر في مناقشة وإقرار المشاريع والخطط والبرامج والموازنات الخاصة بمحافظاتهم. وتبرز أهمية هذا التعديل بربط هذه المجالس بصورة أكبر بالقرار التنموي، بحيث لا يقتصر دورها على مناقشة المشاريع، بل يمتد للمشاركة بتحديد الأولويات ومناقشة البرامج والموازنات ذات الصلة بمحافظاتها.
ويرى النواب، أن تعزيز دور هذه المجالس، مدخل أساسي لترسيخ اللامركزية، شريطة اقترانه بصلاحيات واضحة وموارد مالية وقدرة فعلية على التأثير في القرار.
“ذوو الإعاقة” والشباب
واستندت اللجنة في مناقشاتها إلى ملاحظات قدمتها جهات ومؤسسات معنية، من بينها المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وملتقى الشباب في منتدى الأردن لحوار السياسات، إذ أكد ممثلو المجلس ضرورة تعزيز حضور “ذوي الإعاقة” في مواد القانون، وتمكينهم من المشاركة بالمجالس المختلفة وإيصال صوتهم لمواقع صنع القرار.
وأبدت اللجنة دعماً لهذه المطالب، مؤكدة أنها ستأخذ الملاحظات جدية عند صياغة النصوص النهائية. كما طرح ممثلو ملتقى الشباب، ملاحظات متعلقة بتعزيز مشاركة الشباب بالتنمية وصنع القرار، وربطهم ببرامج التنمية، بما ينسجم مع مسارات التحديث السياسي والإداري.
 القدس في مشروع القانون
كما أوصت اللجنة بتعديل الضريبة المتعلقة بالأبنية والأراضي الواقعة ضمن مدينة القدس، وتخفيضها دعماً لصمود المقدسيين..
وأكد الديات أن هذه التوصية، تدعم صمود المقدسيين، وتجسد الوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، وترسخ الثوابت الوطنية تجاه القضية الفلسطينية.
ويأتي إدراج هذا التعديل في المشروع تأكيدا للموقف الأردني الثابت تجاه القدس، واستخدام التشريع لدعم صمود أهلها والحفاظ على هويتها ومقدساتها.
ومع وصول المشروع إلى مرحلة المناقشة تحت القبة، سيكون أمام المجلس، مشروع يحمل في مواد منه تعديلات جوهرية أدخلتها اللجنة الإدارية بعد النقاش. ويتوقع بأن تشهد الجلسات النيابية نقاشا حول فلسفة القانون وليس فقط مواده، خصوصاً ما يتعلق بمدى جدية نقل الصلاحيات للمستوى المحلي، وحدود الرقابة الحكومية على المجالس المنتخبة، ومصادر تمويل البلديات، وقدرتها على تقديم الخدمات، وآليات مساءلة المجالس وحلها.
كما ينتظر أن تحضر قضية استقلالية القرار المحلي بقوة في النقاشات، في ظل مطالبة نيابية بأن تكون اللامركزية، قائمة على صلاحيات فعلية وليست مجرد نقل بعض الاختصاصات الإدارية.
موعد حاسم للجنة
وبينما يتجه المجلس لبدء مناقشة المشروع، تبدو اللجنة أمام محطة حاسمة خلال النقاش، مع توقع أن تنهي مناقشة ما تبقى من مواده، وإقراره بصيغته النهائية، قبل إحالته للمجلس، ويعني ذلك بأن النقاش تحت القبة لن يبدأ من الصفر، بل سيكون امتداداً لنقاشات نيابية وتشريعية وفنية مطولة أجرتها اللجنة، واستندت فيها لملاحظات الحكومة والجهات المختصة وممثلي “ذوي الإعاقة” والشباب.
وفي المحصلة، فإن الاختبار الأساسي لمشروع قانون الإدارة المحلية لن يكون بعدد المواد التي عدلت، بل بقدرته على إنتاج إدارة محلية أكثر كفاءة، ومجالس منتخبة أكثر قدرة على اتخاذ القرار، وبلديات قادرة على تقديم خدمات أفضل، ومجالس محافظات تمتلك دوراً حقيقياً بتحديد مسارات التنمية.
ويضع المجلس، مع بدء مناقشة المشروع، اللامركزية أمام اختبار تشريعي جديد، عنوانه الأساسي: هل يستطيع القانون نقل القرار المحلي من مساحة الصلاحيات النظرية إلى ممارسة فعلية، يشعر بها المواطن في البلدية والمحافظة.

 جهاد المنسي/ الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة