الإرشاد الزراعي.. ضرورة ملحة للنهوض بالقطاع الزراعي وحمايته من تقلبات السوق

عمان- أكد خبراء في الزراعة، أن مشكلة تكدس الخضراوات لا تتعلق بالإنتاج الزائد فقط، بل نتيجة ضعف المعلومات والتنسيق والتعاقد والتخزين والتصنيع، والوصول للأسواق. لذلك يجب أن يصبح الإرشاد الزراعي مركزاً لاتخاذ القرار الزراعي، يربط المزارع بالسوق والتمويل والتكنولوجيا، ويبدأ عمله قبل الزراعة ويستمر حتى بيع المنتج.
وبينوا لـ”الغد”، أن أهمية الإرشاد الزراعي بتعزيز تسويق المنتجات الزراعية، تتأتى من كونه حلقة وصل بين الإنتاج والسوق، إذ لم يعد دور الإرشاد يقتصر على تحسين العمليات الزراعية والإنتاجية، بل أصبح من الضروري أن يمتد لتوجيه المزارعين نحو ما يحتاجه السوق.
دراسة الطلب ومواعيد التسويق
وزير الزراعة الأسبق سعيد المصري قال: إن “أهمية الإرشاد الزراعي تتبلور في حلقة تربط بين المعرفة العلمية والمزارع والسوق”، مبينا أن الإرشاد التقليدي الذي كان يركز على زيادة الإنتاج وتحسين أساليب الزراعة لم يعد كافياً؛ فزيادة الإنتاج من دون دراسة الطلب ومواعيد التسويق، قد تؤدي لتكدس الخضراوات وانهيار الأسعار وخسارة المزارعين.
وأضاف المصري: “في ظل ضعف التسويق الزراعي، يجب تطوير الإرشاد من إرشاد إنتاجي إلى “إرشاد زراعي وتسويقي متكامل، يبدأ قبل اتخاذ قرار الزراعة، وليس بعد نضج المحصول”. مضيفا أن أهمية الإرشاد تكمن في القدرة على توجيه المزارع لمحاصيل وأصناف تلائم التربة والمياه والمناخ، وتحسن الإنتاجية وترشد استخدام المياه والأسمدة والمبيدات، وتخفض كلفة الإنتاج والفاقد، وتعزز الجودة ومطابقتها لمتطلبات الأسواق، ونشر الممارسات الزراعية المقاومة للجفاف.
وأكد أنه يسهم بتنظيم مواعيد الزراعة والحصاد، لتجنب تزامن الإنتاج وتكدسه، وحماية المزارعين من القرارات المبنية على الإشاعات، كالتوسع في محصول يرتفع سعره في موسم سابق، ومساعدة المزارع على حساب الكلفة والربحية والمخاطر قبل الزراعة.
وبين أن الإرشاد وحده، لا يعالج التكدس إذا لم يكن مرتبطاً بالتخطيط ووضع سياسة تسويقية والى جانب المعلومات الدقيقة عن السوق، مبينا أن تطوير الإرشاد يجري عبر: إنشاء نظام معلومات زراعي وتسويقي موحد، بجمع بيانات تتعلق بالمساحات المزروعة والكميات المتوقعة ومواعيد وصولها للأسواق، وأسعار الجملة والتجزئة، والطلب المحلي واحتياجات المصانع والفنادق والمؤسسات.
كما لفت المصري إلى أهمية فرص التصدير ومتطلبات الأسواق الخارجية، وكميات الاستيراد والتوقيت المتوقع لدخولها، على أن تُعرض هذه المعلومات عبر تطبيق إلكتروني ورسائل هاتفية ومراكز إرشادية، ليخطط المزارع قبل الزراعة لعمله.
كما أشار إلى اعتماد التخطيط التأشيري للمحاصيل، ما يعني تزويده بخريطة استرشادية توضح المحاصيل التي يتوقع وجود نقص أو فائض فيها، والمناطق والمواعيد الأنسب لزراعتها. ويمكن استخدام صور الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي لتقدير المساحات والإنتاج المتوقع والإنذار المبكر من التكدس.
وأكد أهمية تنظيم مواعيد الزراعة والإنتاج، فكثير من أزمات الخضراوات تنتج جراء زراعة المحصول نفسه في وقت متقارب، لذلك يجب أن يرشد المزارعون لتوزيع العروات الزراعية على فترات مختلفة واختيار أصناف مبكرة ومتوسطة ومتأخرة النضج، وتنويع المحاصيل بدلاً من تقليد بعضهم.
وبين أن إدخال الإرشاد التسويقي والمالي، يجب ألا يقتصر على الجوانب الفنية، بل يجب أن يساعد المرشد المزارعين بمعرفة كلفة إنتاج كل كلغم ونقطة التعادل ومواصفات السوق، وأساليب الفرز والتدريج والتعبئة، وشروط التصدير وسلامة الغذاء والحدود القصوى لمتبقيات المبيدات، وطرق التفاوض وإبرام العقود وإدارة التدفقات النقدية، وجدوى الاستمرار بمحصول معين.
وقال المصري إن ربط الإرشاد بالمؤسسات التسويقية، يتطلب أن يعمل المرشد ضمن شبكة تضم وزارة الزراعة، وأسواق الجملة، والجمعيات التعاونية، والمصدرين، والمصانع الزراعية، وسلاسل التجزئة، والفنادق والمطاعم. مشدد على أن المعلومة الإنتاجية يجب أن تقابلها معلومة عن مشترٍ حقيقي أو منفذ تسويقي متاح.
ودعا إلى دعم التجميع التعاوني للإنتاج، فصغر الحيازات يضعف قدرة المزارعين على التسويق والتفاوض، لذا يمكن للإرشاد المساعدة بتنظيم: شراء مستلزمات الإنتاج بصورة جماعية، وتجميع وفرز وتعبئة المحاصيل، والتفاوض على أسعار وعقود أفضل، واستئجار وسائل النقل المبرد والتخزين، وتسويق كميات منتظمة بمواصفات موحدة.
وقال المصري: إن تطوير التصنيع الزراعي وسلاسل التبريد عند ظهور فائض متوقع، تتطلب أن يوجه جزء من الإنتاج إلى التصنيع، لكن ذلك يحتاج لاستثمارات مسبقة ومصانع مرتبطة بعقود مع المزارعين، كما أن تطوير مراكز التعبئة والتبريد والنقل المبرد، يطيل العمر التسويقي للمحصول ويمنح المزارع وقتاً أكبر للوصول إلى الأسواق المناسبة.
وبين أن المرشد الزراعي يحتاج لتدريب مستمر في الاقتصاد الزراعي والتسويق الرقمي وتحليل البيانات والزراعة الذكية، كما ينبغي تقييم أدائه وفق مؤشرات: خفض كلفة الإنتاج، وتحسين الجودة، وتقليل الفاقد، وزيادة نسبة الإنتاج المتعاقد عليه، وليس وفق عدد الزيارات الميدانية فقط.
ودعا المصري لإنشاء نظام إنذار مبكر للفائض، فعندما تشير البيانات لاحتمال تكدس محصول معين، ينبغي اتخاذ إجراءات استباقية، كتحذير المزارعين قبل استكمال التوسع في الزراعة. والبحث المبكر عن أسواق تصديرية، والتنسيق مع المصانع وسلاسل التجزئة، وتنظيم حملات ترويج للاستهلاك المحلي، ومنع تزامن الاستيراد مع ذروة الإنتاج المحلي، وتفعيل برامج التصنيع والتخزين قبل وصول المحصول إلى مرحلة الانهيار السعري.
وأكد المصري، أن مشكلة تكدس الخضراوات تكمن بضعف المعلومات والتنسيق والتعاقد والتخزين والتصنيع والوصول للأسواق. لذلك يجب أن يصبح الإرشاد مركزاً لاتخاذ القرار الزراعي ليربط المزارع بالسوق والتمويل والتكنولوجيا، ويبدأ عمله قبل الزراعة ويستمر حتى بيع المنتج.
تعزيز تسويق المنتجات
من جهته بين الخبير د. حسان العسوفي، أن أهمية الإرشاد الزراعي تكمن بتعزيز تسويق المنتجات، كونه حلقة وصل بين الإنتاج والسوق، إذ أصبح دوره يتبلور في أن يمتد لتوجيه المزارعين نحو ما يحتاجه السوق من حيث نوع المنتج، والكميات، والمواصفات، والتوقيت، والجودة. مضيفا أن من أهم أدوار الإرشاد، مساعدة المزارعين على تبني ممارسات ترفع جودة المنتج وقابليته للتسويق، كالاستخدام الرشيد للمبيدات والأسمدة، وتطبيق الممارسات الزراعية الجيدة، والحصاد في الوقت المناسب، والفرز والتدريج والتعبئة والتخزين. كما يمكنه الإسهام بتعريف المنتجين بالاشتراطات الصحية والفنية ومتطلبات الأسواق المحلية والتصديرية، بما يقلل من الفاقد وحالات رفض المنتجات.
وقال العسوفي، إنه على الإرشاد الزراعي تقديم برامج تسهم بتغيير ثقافة المزارع، من ازرع ثم ابحث عن سوق، إلى اعرف السوق ثم ازرع، بتوفير معلومات حول الأسعار واتجاهات الطلب والفرص التسويقية والمحاصيل ذات القيمة المضافة، ما يتطلب تطوير الإرشاد التقليدي لإرشاد تسويقي ورقمي يستخدم المنصات الإلكترونية وقواعد البيانات ووسائل التواصل لتوفير المعلومات بسرعة.
وأشار إلى أن الإرشاد يشجع العمل الجماعي والتعاونيات الزراعية، بما يمكّن صغار المزارعين من تجميع الإنتاج، وتحسين قدرتهم التفاوضية، وخفض تكاليف التعبئة والنقل والتسويق، والوصول لأسواق أكبر، مبينا أن تطوير منظومته يجب أن تشمل الإنتاج والجودة والتسويق وسلاسل القيمة، ما يسهم برفع دخل المزارعين، وتقليل الفاقد، وتحسين تنافسية المنتجات الزراعية وتعزيز حضورها في الأسواق.
التسويق والتخطيط للإنتاج
الخبير د. نائل الظاهر، قال: “نحتاج لإعادة تعريف دور الإرشاد الزراعي، بحيث يمتد ليشمل التسويق والتخطيط للإنتاج، واتخاذ القرار الزراعي المبني على معلومات السوق”، مؤكدا أن الإرشاد أحد أهم الأدوات التي تربط المعرفة العلمية والتقنيات الحديثة بالمزارع. وعبره يستطيع المزارع الحصول على المعلومات المتعلقة بالممارسات الزراعية السليمة، وإدارة المياه، والتسميد، ومكافحة الآفات والأمراض، وتحسين جودة المنتج. لكن التحديات التي يواجهها القطاع الزراعي اليوم، تفرض توسيع مفهومه ليصبح أكثر ارتباطاً بالاقتصاد والسوق وسلاسل القيمة.
وقال الظاهر، إن المشكلة التي تواجه المزارع غالبا تكمن في ضعف القدرة على تسويق منتجه، مبينا أن السوق يشهد في بعض المواسم، دخول كميات كبيرة من البندورة أو الخيار أو البطاطا في فترة زمنية قصيرة، ما يؤدي لتراجع الأسعار إلى مستويات قد لا تغطي تكاليف الإنتاج. وهنا يبرز سؤال مهم: ما فائدة زيادة الإنتاجية إذا لم يكن هناك سوق قادر على استيعاب الإنتاج بسعر يحقق للمزارع عائداً مناسبا؟

