الإنفجار التنفسي // الدكتور عماد قيام

 

لا تمتلك خلايا الإنسان القدرة على دمج البروتونات والنيوترونات لتوليد نظائر الهيدروجين الثقيلة كالديوتيريوم، و الديوتيريوم هو نظير طبيعي مستقر لعنصر الهيدروجين، ويعرف بـ الهيدروجين الثقيل. تمثل نواته ببروتون واحد ونيوترون واحد، ورمزه الكيميائي هو (H²) أو (D).

على عكس الهيدروجين الموجود بكثرة في جسم الإنسان و الطبيعة تبلغ نسبة الديتيريوم الوجودية في الطبيعة حوالي ذرة واحدة لكل 6,420 ذرة هيدروجين عادية، و هو نظير غير مشع ومستقر تماماً على عكس نظائر الهيدروجين الأخرى مثل التريتيوم.
يتحد الديتيريوم مع الأكسجين ليصنع أكسيد الديوتيريوم (D₂O) أو ما يعرف بـ الماء الثقيل، والذي يُستخدم كمبرد ومبطئ للسرعة في المفاعلات النووية، و يعد وقودا أساسيا في تفاعلات وإختبارات الاندماج النووي لتوليد طاقة نظيفة.

الماء الثقيل (D2O) أو أكسيد الديوتيريوم هو شكل من أشكال الماء يحتوي على “الديوتيريوم” بدلاً من الهيدروجين العادي. يتميز بكتلة أعلى وكثافة أكبر من الماء العادي، ويُستخدم بشكل أساسي كمُهدئ للنيوترونات ومبرد في المفاعلات النووية، مما يسمح بإستخدام اليورانيوم الطبيعي بدلا من المخصب.

يُضخ المفاعل بالأساس بـ أكسيد الديوتيريوم (الماء الثقيل) ليستعمل كمهدئ يبطئ سرعة النيوترونات، أو كمبرد لنقل الحرارة مثلما يحدث في مفاعلات الوكالة الدولية للطاقة الذرية وأنظمة الكاندو في كندا.

كلا النوعين من الماء العادي و الثقيل يتعرضان للتحليل الإشعاعي داخل قلب المفاعل عند تعرضهما للإشعاعات المؤينة مما يؤدي إلى تفكك جزيئات الماء بفعل أشعة غاما والإشعاعات المؤينة إلى جذور حرة تتحد لاحقاً لتشكل بيروكسيد الهيدروجين أو بيروكسيد الديوتيريوم.

على صعيد أخر يعد بيروكسيد الهيدروجين H2O2 (أيضا أحيانا يدعى الماء الثقيل مجازا و الأصح تسميته الماء الأكسيجيني) ناتجا ثانويا ضارا يتكون أثناء عمليات إنتاج الطاقة الطبيعية في الخلية الحية.(راجع تفاعلات دورة كريب في الخلية من حرق جزيء السكر إلى تكوين طاقة و ماء و ثاني أكسيد كربون)

يحتوي الكبد على كميات كبيرة من إنزيم الكاتاليز، الذي يحول بيروكسيد الهيدروجين بسرعة إلى ماء وغاز الأكسجين. يعمل هذا التفاعل على إبطال مفعول المادة الكيميائية السامة بيروكسيد الهيدروجين قبل أن تتسبب في إتلاف أغشية الخلايا أو البروتينات أو الحمض النووي.

في جسم الإنسان، يعد بيروكسيد الهيدروجين ناتجا ثانويا طبيعيا لعمليات التمثيل الغذائي الخلوي، حيث يقوم الكبد بمعادلته بإستخدام إنزيم “الكاتاليز” لتفكيكه إلى ماء وأكسجين غير ضارين.

يُعد بيروكسيد الهيدروجين المركب الكيميائي المباشر (المادة الخام) الذي تستخدمه خلايا الدم البيضاء لإنتاج حمض الهيبوكلورس(HOCl). (شبيه بما يسمى الهايبكس للتنظيف في المطابخ). يتم إنتاج حمض الهيبوكلوروس حيويا في الجسم عندما يتفاعل بيروكسيد الهيدروجين مع أيونات الكلوريد (-Cl) بوجود إنزيم مايلوبروكسيديز (MPO).

Cl− + H2O2 + H + → HOCl + H2O”

تنتج خلايا الدم البيضاء المعروفة باسم “نيوتروفيلز” (neutrophils) بيروكسيد الهيدروجين أثناء الإستجابة المناعية لمكافحة مسببات الأمراض التي تغزو الجسم. حيث يعمل إنزيم وفير داخل هذه الخلايا يُدعى “ميلوبيروكسيديز” (MPO) كمحفز لهذا التفاعل الكيميائي. يستخدم إنزيم ميلوبيروكسيديز MPO (بيروكسيد الهيدروجين) لأكسدة أيونات الكلوريد (الكلور) الموجودة بشكل طبيعي في السوائل الخلوية للجسم. يُحول هذا التفاعل المحدد كلا من بيروكسيد الهيدروجين والكلوريد مباشرة إلى حمض الهيبوكلورس الذي يعمل كعامل طبيعي قوي مضاد ومطهر للميكروبات للقضاء على البكتيريا المبتلعة.

في الخلايا المناعية “الخلايا البيضاء” مثل خلايا (النيوتروفيلز) والبلاعم (الماكروفيج) يُعرف الإنتاج المفاجئ والمكثف لبيروكسيد الهيدروجين (الماء الثقيل) باسم “الإنفجار التنفسي” (أو الإنفجار التأكسدي). وتحفز هذه العملية من خلال التنشيط السريع لمركب إنزيم ” ناد بي اتش أوكسيديز” NADPH Oxidase للقضاء على الغزاة الضارين.

وتتم آلية الإنفجار التنفسي على النحو التالي؛ تمتص الخلية بسرعة كمية كبيرة من الأكسجين من محيطها، و تبدأ بتكوين الأنيون الفائق – الأنيون الفائق (Superoxide) هو نوع كيميائي نشيط وجذر حر O₂⁻، حيث يتكون من ذرتي أكسجين مرتبطتين معاً ويحمل شحنة أحادية سالبة ، حيث ينقل إنزيم ناد بي اتش أوكسيديز “NADPH Oxidase” الإلكترونات إلى الأكسجين محولا إياه إلى جذور الأنيون الفائق و من ثم يتم إنتاج بيروكسيد الهيدروجين عبر إنزيم يُدعى “ديسميوتيز سوبر أوكسيد” وذلك بتحويل الأنيون الفائق بسرعة إلى بيروكسيد الهيدروجين للقضاء على الميكروبات، حيث تستخدم الخلية بيروكسيد الهيدروجين إلى جانب إنزيمات مثل “ميلو بيروكسيديز” لتوليد مواد كيميائية قوية مثل حمض الهيبوكلورس المشابه للمبيض المنزلي”هايبكس” – وذلك من خلال دمج أيونات الكلور (الكلوريد) مع الماء الثقيل بيروكسيد الهيدروجين – المادة الناتجة الهيبوكلورس تعمل على تفكيك وتدمير البكتيريا المحتجزة داخل خلايا البلاعم وقتلها وتخيل ذلك على عدد كبير من الخلايا بالملايين شبيه بإنفجار أسلحة الدمار الشامل.

خلال الحرب العالمية الثانية، إشتهرت شركة “نورسك هيدرو” بإنتاج الماء الثقيل في مصنعها في فيمورك بالنرويج، بينما أستخدمت ألمانيا النازية بيروكسيد الهيدروجين على نطاق واسع كوقود عالي الطاقة للصواريخ والطوربيدات، على الرغم من كونهما مسارين كيميائيين منفصلين في الصناعة الحربية.

استخدم مصنع مفاعل نورسك هيدرو في فيمورك خلايا إلكتروليتية ضخمة لتثبيت النيتروجين للأسمدة، مما أنتج أكسيد الديوتيريوم (الماء الثقيل) كمنتج ثانوي نادر. و إدراكا لإستخدامه كمعدل للنيوترونات في قنبلة ذرية ألمانية محتملة، شن الحلفاء عمليات جريئة – عملية غانرسايد – و قاموا بإغراق السفينة الحربية – دي إف هيدرو – لتدمير المصنع ومخزوناته التي كانت ألمانيا تنوي نقلها فوق ظهر السفينة من فيمروك بالنرويج إلى ألمانيا وذلك لصناعة القنبلة الذرية.

إستخدم الجيش الألماني بيروكسيد الهيدروجين عالي التركيز (T-Stoff) كمؤكسد قوي ووقود أحادي لأنظمة توجيه صواريخ V-2، وطائرات مسرشميت مي 163. الطائرات الإعتراضية التي تعمل بالصواريخ، والغواصات التي تعمل بمحركات والتر.
على عكس زمان السلم، تم إنتاج بيروكسيد الهيدروجين في زمن الحرب من خلال التخليق الكيميائي المتخصص (مثل عمليات التقطير والأكسدة الذاتية التي تم ابتكارها في ألمانيا)، بدلاً من كونه ناتجا أساسيًا للبنية التحتية للأسمدة الكهرومائية النرويجية…

إنها مناورة تجارية تاريخية وليست مجرد حبكة سينمائية؛ وتحديدا ذلك الحدث الواقعي المعروف بقصة التمويه المسماة “غسيل المياه الثقيلة”، حيث كانت شحنات شركة “نورسك هيدرو” (Norsk Hydro) النرويجية تدرج في الأوراق الرسمية على أنها مواد خاصة بالمغاسل الصناعية أو بضائع عادية قيد النقل، وذلك لإخفاء عمليات النقل عن أنظار قوات الحلفاء أثناء إحتلال ألمانيا للنرويج والتي تم تناولها في كثير من الأفلام التي تناولت موضوع الشحن التجاري النرويجي والعمليات المرتبطة به خلال الحرب العالمية و كيف تم أجهاض جهود ألمانيا النازية لصنع قنبلة نووية وذلك من خلال منعها بالحصول على الماء الثقيل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة