البرك الزراعية.. “فخاخ الموت” التي تتربص بالأطفال

رغم التحذيرات المتكررة والإجراءات التي تقوم بها الجهات المعنية، فإن ظاهرة الغرق في البرك الزراعية ما تزال تؤرق أهالي وادي الأردن، ففي حادثة مأساوية هزت وجدان الأهالي، فقدت بلدة السليخات في لواء الغور الشمالي ثلاثة من أبنائها لتعيد إلى الواجهة من جديد تساؤلات حول نجاعة الإجراءات ودور الأهل في الحد من نزيف الأرواح المستمر.
بدأت القصة حين خرج الأطفال الثلاثة (تتراوح أعمارهم بين 7 و10 أعوام) مع ذويهم لحضور إحدى المناسبات، وبدافع براءة الطفولة ذهبوا للهو بالقرب من إحدى البرك الزراعية القريبة.
وبحسب شهود عيان، انزلق أحدهم في بركة زراعية تستخدم لتجميع مياه الري، وحاول الآخران إنقاذه، إلا أن نعومة البطانة البلاستيكية للبركة وقوة انحدارها حالت دون خروجهم، ليلقوا حتفهم غرقاً قبل وصول فرق الإنقاذ، مشيرين إلى أن الحادثة وقعت بشكل مفاجئ، إذ لم ينتبه الأهالي إلا بعد فوات الأوان.
دقائق قليلة كانت كفيلة بتحويل الضحك إلى صراخ والفرح إلى فاجعة، إذ انقلب مشهد الفرح رأساً على عقب ليتحول إلى عزاء، وتفتح جراح جديدة في قلوب الأهالي الذين لم تندمل لديهم بعد آثار حوادث مشابهة.
المنطقة بأكملها تملكها الحزن والذهول، فالأطفال الثلاثة “شقيقان وطفل من أبناء الجيران” كانوا يلعبون ويمرحون بالقرب من البركة، كما يفعل كثير من أطفال المنطقة يومياً غير مدركين للخطر الكامن في تلك المياه الساكنة.
الواقع المؤلم.. أرقام تتحدث
تعد البرك الزراعية شريان الحياة للقطاع الزراعي في الكثير من المناطق، فهي الخزان الإستراتيجي الذي يضمن ري المحاصيل في مواسم الجفاف، لكن خلف هذا الدور الحيوي يختبئ وجه مرعب، إذ تحولت هذه البرك إلى “مصائد بشرية” تحصد الأرواح سنويًا، لا سيما بين الأطفال والعمال الوافدين، وسط غياب الرقابة وضعف إجراءات السلامة العامة.
وتشير التقارير الميدانية والدفاع المدني في مختلف المناطق الزراعية إلى تزايد ملحوظ في حالات الغرق داخل البرك الاصطناعية (البلاستيكية أو الإسمنتية).
وتكمن الخطورة في أن معظم هذه الحوادث تقع خلال فصل الصيف، إذ يلجأ الأطفال والشباب إليها هربًا من الحرارة، غير مدركين للمخاطر القاتلة التي تخفيها المياه الراكدة.
وبحسب مصدر في مديرية الدفاع المدني، تعاملت فرق الغطس مع الحادثة فور تلقي البلاغ، إلا أن المسافة الفاصلة وبطء اكتشاف الغرق جعل من محاولات الإنعاش أمرًا مستحيلاً، ليتم إعلان وفاتهم لاحقًا في المستشفى القريب، موضحًا أن عوامل الخطورة تكمن في الانزلاق وعدم القدرة على الثبات بسبب الطبقة البلاستيكية وصعوبة السباحة في مياه راكدة محملة بالأتربة ووجود البرك في مناطق بعيدة عن التجمعات السكنية مما يؤخر عمليات الإنقاذ.
ويؤكد أهالي المنطقة أن المشكلة ليست جديدة، بل تتكرر سنويًا، خاصة في فصل الصيف، حين يقضي الأطفال وقتًا أطول خارج المنازل، ويبحثون عن أماكن للعب أو التخفيف من حرارة الطقس، دون إدراك لمخاطر الاقتراب من هذه البرك.
تصف أم خالد، وهي من أقارب الأطفال الضحايا، الحادثة بأنها “صاعقة” ضربت قلوب الجميع، مشيرة إلى أن صرخات الأطفال وآهات الأمهات ستبقى عالقة في الذاكرة.
وتضيف: “كثير من الأمهات في المنطقة فقدن أبناءهن بنفس الطريقة وكأن المأساة تتكرر دون أن يتغير شيء”، مشيرة إلى أن الأطفال كانوا يستعدون لحضور مناسبة عائلية قبل وقوع الحادثة، لكن القدر كان أقسى، داعية الجهات المعنية إلى التحرك الجاد لوضع حد لهذه الكوارث.
مطالبات بإجراءات ناجعة
مع اقتراب فصل الصيف، تتجدد المخاوف من تكرار هذه الحوادث، في ظل غياب حلول جذرية حتى الآن.
ويطالب مواطنون بضرورة تشديد الرقابة على أصحاب المزارع، وإلزامهم بتطبيق إجراءات السلامة العامة، مثل إقامة سياج معدني حول البرك، ووضع لوحات تحذيرية واضحة، إضافة إلى تعيين حراس بشكل دائم، وليس بشكل شكلي أو مؤقت.
يقول المزارع خالد القويسم، وهو مزارع في اللواء: تبقى البرك الزراعية ضرورة لا غنى عنها في بيئة الأغوار، لكنها في الوقت ذاته تمثل خطراً حقيقياً إذا لم تُحاط بإجراءات السلامة اللازمة.
ويبين أن ما بين الحاجة إلى المياه وحق الأطفال في الحياة يقف الأهالي بانتظار حل ينهي سلسلة المآسي التي تتكرر بصمت موجع كل عام، قائلاً: “لابد من وجود إجراءات مشددة من قبل الجهات المعنية، ومن جانب آخر يقع على عاتق الأهالي توعية أبنائهم وتوضيح خطورة تلك البرك الزراعية والمسطحات المائية المكشوفة.”
ويرى المواطن محمد علي أن طبيعة المنطقة الزراعية تفرض وجود هذه البرك، لكن ذلك لا يعني أن تبقى دون رقابة أو حماية، مؤكداً أن المسؤولية مشتركة بين الجهات الرسمية والأهالي.
ويضيف أن توعية الأطفال أمر لا يقل أهمية عن الإجراءات الوقائية، داعياً إلى تنظيم حملات توعوية في المدارس والمجتمع المحلي، ودمج مفاهيم السلامة العامة ضمن المناهج الدراسية، خاصة في المناطق التي تنتشر فيها هذه المخاطر.
ويشير مزارعون إلى أن البرك الزراعية تُعد جزءاً أساسياً من عملهم، ولا يمكن الاستغناء عنها، مؤكدين أن العديد منهم يلتزم بإجراءات السلامة قدر الإمكان، إلا أن ذلك لا يمنع من وجود تقصير في بعض الحالات، سواء بسبب الإهمال أو ضعف الإمكانيات.
ويرى الأهالي أن التعامل مع هذه القضية يجب أن يكون على عدة مستويات، تشمل التشريعات والرقابة والتوعية، إضافة إلى تحميل المسؤوليات بشكل واضح لكل الأطراف المعنية.
لماذا تتحول البرك إلى مقابر؟
يرى ناشطون أن اتساع الرقعة الزراعية في وادي الأردن وقربها من التجمعات السكنية يفتح المجال أمام الأطفال للدخول إلى تلك المواقع دون رقابة، خصوصاً في أوقات غياب الحراسة أو انشغالها، مشددين على ضرورة اتخاذ إجراءات ناجعة للحد من الظاهرة التي تؤرق كل بيت وأسرة.
ويبين الناشط خالد العربي أن الخطورة تكمن في البرك الزراعية ليس في مواقعها بل في غياب الوعي بخطورة الاقتراب منها، مبيناً أن مئات البرك الزراعية تفتقر إلى أسياج معدنية (شبك) تحول دون وصول الأطفال أو حتى الحيوانات إليها.
ويشدد على ضرورة تفعيل قانون السلامة العامة وإلزام أصحاب المزارع باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع الاقتراب منها ومحاسبة الذين يتركون بركهم مكشوفة دون حماية، مطالباً بحملة تفتيشية وطنية تقوم بها وزارة الزراعة بالتعاون مع الحكام الإداريين لحصر البرك غير المسوَّرة وإلزام أصحابها بتصويب أوضاعها تحت طائلة المسؤولية القانونية.
وينوه العربي إلى أهمية التوعية المجتمعية للحد من تكرار مثل هذه الحوادث بتكثيف الرسائل الإرشادية للأسر القاطنة في المناطق الزراعية حول مخاطر هذه المواقع، وتغيير الصورة والاعتقاد الخاطئ بأن البركة مكان آمن للسباحة لبساطة مظهرها.
من جانبه يؤكد مصدر في وزارة الزراعة أن هذه البرك تُنشأ ضمن أسس معينة، وضمن ملكيات خاصة، ما يحد من إمكانية التدخل المباشر عند إنشائها، إلا أن ذلك لا يعفي من ضرورة وضع ضوابط أكثر صرامة، بالتعاون مع الجهات المختصة الأخرى، لضمان سلامة المواطنين.

