البطالة ليست رقمًا إنها عمر ينتظر // عمر الدريني

حين نقرأ رقمًا عن البطالة، غالبًا ما نتعامل معه كما نتعامل مع أي رقم آخر في نشرة إحصائية: نسبة ترتفع أو تنخفض، ومؤشر يتحرك صعودًا أو هبوطًا.
لكن خلف كل رقم شاب يجلس أمام هاتفه ينتظر اتصالًا قد لا يأتي.
وخلف كل نسبة مئوية خريج يحمل شهادة، وأحلامًا، وسنوات من الدراسة، ثم يكتشف أن الطريق من الجامعة إلى سوق العمل أطول مما تخيل.
البطالة ليست رقمًا إنها عمر ينتظر.
إن أخطر ما في البطالة أنها لا تسرق الراتب فقط؛ إنها تستهلك الزمن.
والزمن بالنسبة إلى الشاب ليس موردًا يمكن تعويضه بسهولة.
إنه سنوات التأسيس، وبداية الاستقلال، وتكوين الأسرة، وبناء الخبرة، وصناعة الذات.
حين تمر هذه السنوات دون فرصة، لا يكون الخاسر شابًا واحدًا فقط، بل يخسر الاقتصاد خبرة كان يمكن أن تتراكم، ويخسر المجتمع طاقة كان يمكن أن تتحول إلى إنتاج، وتخسر الأسرة سنوات كان يمكن أن تكون أكثر استقرارًا.
لقد تغير سوق العمل بصورة كبيرة.
لم يعد الحصول على الشهادة كافيًا كما كان يعتقد البعض.
أصبح السوق يبحث عن المهارة، والمرونة، والقدرة على التعلم المستمر، والتقنية، واللغة، والتواصل، والعمل الجماعي، وحل المشكلات.
لكن تحميل الشاب وحده مسؤولية البطالة ليس عدلًا أيضًا.
فإذا كانت الجامعات تخرج أعدادًا كبيرة من التخصصات التي لا تتوافق مع حاجات السوق، وإذا كانت فرص الاستثمار محدودة، وإذا كانت المشاريع الصغيرة تواجه صعوبات في التمويل والاستمرار، وإذا كانت بعض الوظائف تتطلب خبرة لا يستطيع الخريج اكتسابها لأنه لم يحصل على فرصته الأولى، فإننا أمام مشكلة هيكلية لا يمكن اختزالها في عبارة «طوّر مهاراتك».
الشاب يحتاج إلى تطوير نفسه، نعم.
لكن الاقتصاد يحتاج كذلك إلى تطوير قدرته على خلق الوظائف.
نحن بحاجة إلى الانتقال من سؤال: «كم وظيفة متاحة؟» إلى سؤال أعمق: ما نوع الاقتصاد الذي نريد بناءه؟
هل نريد اقتصادًا ينتظر الوظائف التقليدية؟
أم اقتصادًا قادرًا على خلق وظائف جديدة؟
هل نريد خريجًا يبحث عن وظيفة فقط؟
أم نريد خريجًا قادرًا على تحويل المعرفة إلى مشروع وفرصة وقيمة اقتصادية؟
هنا يظهر دور التعليم.
فالتعليم الذي ينفصل عن سوق العمل يضاعف المشكلة، بينما التعليم الذي يرتبط بالمهارة والمهنة والإنتاج يصبح جزءًا من الحل.
ولهذا يجب أن تبدأ عملية المواءمة منذ المدرسة والجامعة، لا بعد التخرج.
على الطالب أن يعرف أن المستقبل لا يحتاج فقط إلى موظفين، بل يحتاج إلى مبرمجين، وفنيين، ومهندسين، ورواد أعمال، ومتخصصين في الذكاء الاصطناعي، والطاقة، والمياه، والتقنيات الحديثة، والخدمات الرقمية، والصناعات الإبداعية وغيرها من المجالات التي تتوسع مع تغير الاقتصاد.
لكن هناك جانبًا آخر لا يقل أهمية: كرامة العمل.
فالعمل ليس مجرد راتب.
إنه شعور الإنسان بأنه منتج، وأن لوجوده قيمة، وأنه يستطيع أن يبني مستقبله بيده.
ومن هنا فإن أي سياسة اقتصادية جادة يجب أن تنظر إلى البطالة باعتبارها قضية إنسانية بقدر ما هي قضية اقتصادية.
حين يعمل الشاب، لا يدخل راتب إلى بيته فقط؛ بل يدخل الاستقرار.
وحين يفقد العمل، قد تدخل إلى البيت مشاعر العجز والقلق وتأجيل الزواج وتراكم الديون وفقدان الثقة بالمستقبل.
ولهذا لا يجوز أن نحتفل بانخفاض رقم البطالة إذا كان العمل الذي حصل عليه الإنسان هشًا، منخفض الأجر، بلا حماية، أو غير قادر على تأمين حياة كريمة.
المطلوب ليس أي وظيفة.
المطلوب عمل كريم ومستدام ومنتج.
كما أن الاقتصاد يحتاج إلى بيئة تجعل إنشاء المشروع ممكنًا، وتقلل التعقيد، وتيسر التمويل، وتحمي المنافسة، وتدعم المبتكر، وتفتح أمام المنتج المحلي أبوابًا أوسع.
فالوظيفة التي لا تستطيع الدولة وحدها توفيرها قد يستطيع الاقتصاد أن يخلق عشرات منها إذا أزيلت أمامه الحواجز المناسبة.
وفي المقابل، على الشباب أن يتحولوا من انتظار الفرصة إلى الاستعداد لها وصناعتها حين يستطيعون.
أن يتعلموا.
أن يتدربوا.
أن يجربوا.
أن يفشلوا دون أن يعتبروا الفشل نهاية الطريق.
أن ينظروا إلى المهارة باعتبارها رأس مال حقيقيًا.
لكن لا ينبغي أن يتحول خطاب المسؤولية الفردية إلى ذريعة لإعفاء السياسات الاقتصادية والتعليمية من مسؤولياتها.
البطالة مسؤولية مشتركة.
الحكومة مسؤولة عن البيئة.
والتعليم مسؤول عن المواءمة.
والقطاع الخاص مسؤول عن خلق فرص حقيقية.
والجامعات مسؤولة عن جودة المخرجات.
والشاب مسؤول عن تطوير نفسه واستثمار قدراته.
وعندما تعمل هذه الأطراف معًا، يتحول الاقتصاد من سوق ينتظر الباحثين عن عمل إلى منظومة تصنع العمل.
في النهاية، لا تسألوا الشاب العاطل فقط: «ماذا فعلت حتى تجد وظيفة؟»
اسألوه أيضًا: «هل أعطيناه فرصة عادلة؟»
لأن السنوات التي يقضيها الشاب في الانتظار ليست فراغًا.
إنها عمر.
والعمر إذا مضى لا تعيده وظيفة متأخرة.
البطالة ليست رقمًا نخفضه على الورق؛ إنها أعمار ينبغي أن نحميها من الانتظار، وأحلامًا يجب أن نمنحها فرصة كي تتحول إلى واقع.

