التراخي قد يسمح بالتمادي // حسان عمر ملكاوي

تكرار الحديث عن التساهل في موضوع قيد الأندية ، وحقوق اللاعبين والمدربين ، لا يخدم الأندية ولا الكرة الأردنية ، بل على العكس فإن التجارب السابقة أثبتت أن غياب الحزم يؤدي إلى تراكم المشكلات واتساع دائرة الالتزامات ، حتى أصبحت بعض القضايا تتكرر مع كل موسم .
الأصل في هذه المرحلة هو التشدد في تطبيق الأنظمة ، ليس بهدف معاقبة الأندية ، وإنما لحمايتها وحماية حقوق جميع الأطراف ، لأن التساهل الذي قد يبدو حل مؤقت قد يتحول لاحقًا إلى أزمة أكبر يصعب التعامل معها .
ومن أهم النقاط التي تحتاج إلى مراجعة واضحة :
أولًا : لا يجوز السماح لأي نادي ببدء التعاقدات في موسم جديد قبل إنهاء جميع التزاماته المالية تجاه لاعبي ومدربين وإداريين الموسم السابق .
فالأولوية يجب أن تكون لمن قدم جهده وعمله للنادي ، وليس الدخول في تعاقدات جديدة قبل إغلاق الملفات القديمة ، حيث إن احترام العقود والالتزام بالحقوق يجب أن يكون أساس العمل الاحترافي ، وأي نادي لم ينتهِ من التزاماته السابقة يجب أن يعالج أوضاعه قبل التفكير في إضافة التزامات جديدة .
ثانيًا : اشترطت الأنظمة وجود مخالصة مالية مع المدير الفني السابق قبل السماح للنادي بتعيين مدير فني جديد ، وهي خطوة مهمة لحماية الحقوق وتنظيم العلاقة التعاقدية ، لكنني أرى أن هذا الشرط يجب أن يتوسع ليشمل كامل الجهاز الفني والإداري ، فلا يجوز أن يكون التركيز على المدير الفني فقط ، بينما تبقى حقوق بقية أفراد الجهاز الفني والإداري معلقة ، و الاحتراف الحقيقي يقوم على حفظ حقوق جميع العاملين في المنظومة ، وليس فئة محددة منها ، لذلك فإن اشتراط إنهاء الالتزامات المالية والحصول على المخالصات مع جميع أفراد الجهاز الفني والإداري قبل إتمام التغييرات أو التعاقدات الجديدة سيكون خطوة أكثر عدالة ، ويمنع تراكم القضايا ويعزز ثقافة الالتزام داخل الأندية .
ثالثًا : الحوكمة لا تعني وضع شروط وأنظمة فقط ، وإنما تعني وجود رقابة حقيقية على التنفيذ والتأكد من اكتماله ، فعندما يتم تحديد سقف للتعاقدات ولا يسمح بتجاوزه إلا بعد تقديم مصادر دخل واضحة تبرر هذا التجاوز ، فإن السؤال الذي يفرض نفسه : كيف لا يكون هناك تجاوز في سقف التعاقدات في الوقت الذي نجد فيه رواتب متأخرة لأشهر ؟
المشكلة ليست في وضع القوانين ، وإنما في متابعة تطبيقها ، وإذا كنا نريد إلزام الأندية وحماية حقوق اللاعبين والمدربين ، فلا بد من وجود آلية تثبت دفع الرواتب بشكل منتظم ، سواء من خلال تحويل المبالغ إلى حسابات أصحاب الحقوق مباشرة من جانب دائرة مختصة بالاتحاد ، أو تقديم كشوفات شهرية من النادي تثبت تنفيذ الالتزامات المالية ،
بمعنى أن تكون هناك آلية أكثر تنظيمً ورقابة وضبط في موضوع الرواتب ، فمن غير المنطقي أن نتحدث عن ضرورة احتراف اللاعب الأردني في دوريات قوية وبيئات احترافية مناسبة ، بينما يكون اللاعب نفسه قلق من عدم ضمان راتبه محليًا ، فاللاعب عندما يحترف خارج الوطن يبحث قبل كل شيء عن الاستقرار وضمان الحقوق ، حتى لو كان المقابل المالي أقل من راتبه المحلي .
رابعًا : تأجيل الإعلان عن القضايا أو العقوبات قبل فترة القيد لا أراه الحل الأفضل ، بل إن العدالة تقتضي الإعلان عنها قبل فترة القيد ، خصوصًا أن صاحب الحق قد يكون انتظر سنوات للوصول إلى هذه المرحلة ، وليس من الانصاف أن يبقى صاحب الحق في انتظار طويل ، ثم يدخل النادي فترة القيد و كأن الأمور طبيعية دون معالجة الملفات السابقة ، و الإعلان المبكر يمنح الجميع فرصة واضحة لترتيب أوضاعهم ، ويحفظ حقوق الأطراف كافة .
خامسًا : آليات التقاضي داخل الاتحاد تحتاج إلى مراجعة جذرية ، ومن أهم النقاط ضرورة إعادة النظر في رسوم تقديم القضايا للمدربين ،
وليس من المنطقي أن يدفع صاحب الحق رسوم تصل إلى 400 دينار ثم ينتظر سنوات للحصول على قرار ، لأن الرسوم يجب أن تكون مقابل خدمة تحقق العدالة بسرعة وكفاءة ، وليس مجرد عبء مالي إضافي على من يطالب بحقه ، وعندما يلجأ المدرب أو اللاعب إلى الجهات المختصة فهو لا يبحث عن خدمة استثنائية ، بل عن تطبيق حق أصيل وحماية عقد يفترض أن يكون محمي بالقوانين والأنظمة ، لذلك فإن تحميل صاحب الحق رسوم مرتفعة ، ثم تأخير البت في القضية لسنوات ، يجعل الفائدة من دفع هذه الرسوم محل تساؤل ، فالخدمة الحقيقية التي ينتظرها صاحب الحق ليست فقط استقبال القضية ، وإنما سرعة دراستها وإصدار القرار وتنفيذه ضمن مدة معقولة ، وإذا كانت الإجراءات ستستغرق سنوات ، فإن دفع الرسوم يصبح عبئًا لا يتناسب مع مستوى الخدمة المقدمة ، لذلك فإن المطلوب هو إعادة بناء منظومة التقاضي في الاتحاد بحيث تكون الأولوية لسرعة البت ، وأن لا تتجاوز مدة النظر في القضايا ستة أشهر كحد أقصى ، مع مراجعة موضوع الرسوم بما يحقق العدالة ويحفظ حقوق جميع الأطراف ،
لان العدالة المتأخرة قد تفقد جزءًا كبيرًا من معناها ، ولا يمكن الحديث عن احتراف حقيقي بينما تستمر حقوق العاملين في كرة القدم معلقة لسنوات .
سادسًا : تجربة السماح بالتسجيل مقابل دفع 50% من الحقوق لم تحقق النتائج المطلوبة ، بدليل استمرار القضايا والالتزامات ،
وحتى في حال إعادة تطبيقها ، فإن العدالة تقتضي أن يكون الشرط مرتبطًا بدفع 50% من قيمة كل قضية على حدة ، وليس من إجمالي المبالغ فقط ، حتى لا تضيع حقوق بعض أصحاب المطالبات ، فالمهم ليس فقط السماح بالتسجيل ، وإنما ضمان أن يكون هناك تقدم حقيقي في معالجة الحقوق وليس مجرد تأجيل للمشكلة .
في كرة القدم ، أحيانًا يكون الحزم هو الطريق الأقصر للإصلاح ، فالتشدد في تطبيق النظام ليس تعقيدًا للعمل ، بل هو حماية للمنظومة بأكملها ، أما التراخي فإنه يعطي رسالة خاطئة ويشجع على تكرار الأخطاء وتأجيل الحلول ،
والكرة الأردنية بحاجة إلى مرحلة جديدة يكون فيها احترام العقود والالتزامات عنوانًا رئيسيًا ، لأن الاحتراف الحقيقي لا يبدأ من الملاعب فقط ، بل يبدأ من احترام الحقوق وتطبيق الأنظمة بعدالة وحزم .
التراخي قد يسمح بالتمادي ، أما التشدد العادل فقد يضبط الأمر ويحمي الجميع .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة