الترفيه بأقل الكلف.. خيار أسر تحت وطأة غلاء المعيشة

أمام تراكم الضغوط المعيشية اليومية وتكاثر الالتزامات المالية وكثرة الانشغال بالوظيفة أو العمل، بات كثير من الأردنيين يحتاجون لـ”فسحة” ولو بسيطة تتيح لهم التقاط أنفاسهم وسط هذا “الروتين اليومي القاتل”.

وفي ظل هذه الظروف “الضاغطة” تتجه أسر إلى اقتطاع لحظات بسيطة من يومها، عبر ممارسة أنشطة محدودة الكلفة، تكسر رتابة الضغط وتمنحها قدرا من التوازن، في مشهد يعكس تحولا تدريجيا نحو بدائل ترفيهية أكثر بساطة ومرونة.
وبات هذا النمط الأقرب لدى معظم الأسر الأردنية في ظل ما تواجهه من ارتفاع كلف المعيشة وتزايد النفقات الأساسية، ما يدفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها والبحث عن خيارات أقل كلفة للحفاظ على قدر من الرفاه دون الإخلال بمتطلبات الحياة اليومية.
عائلة محمد أبو أحمد التي باتت تخصص يوما من كل أسبوعين لزيارة مدينة أو معلم سياحي داخل المملكة، بعد أن كانت معتادة على السياحة الخارجية مرتين في العام، في تحول يعكس إعادة تشكيل أولويات الإنفاق لدى الأسرة تحت ضغط الكلف المعيشية المتصاعدة.
ويبين محمد، وهو مهندس كهربائي يعمل في القطاع الخاص، أن الوضع الاقتصادي لعائلته وما طرأ عليه من تغييرات في ظل ارتفاع الكلف المعيشية خلال الفترة الأخيرة، إضافة إلى تحمله نفقات تعليم ابنتين في الجامعة على نفقته الخاصة، دفعه إلى التخلي عن العديد من السلوكيات الإنفاقية والمعيشية، ومنها السياحة الخارجية. ويضيف “هذا التغيير يعد بمثابة “خيار إجباري” لإعادة ضبط الإنفاق بما يتناسب مع الالتزامات المتزايدة”.
ويشار إلى أن البيانات الرسمية حول النشاط السياحي الداخل والخارج من الأردن، أظهرت انخفاض إنفاق الأردنيين على السياحة الخارجية خلال أول شهرين من عام 2026 بنسبة 3.1 % ليصل إلى 332.2 مليون دولار.
ويشير محمد إلى أن طبيعة عمله هو وزوجته، وما يتطلبه من ساعات طويلة يوميا، تستدعي بين فترة وأخرى كسر رتابة العمل وتجديد الطاقة واستعادة النشاط والشغف الذي يحتاجه كلاهما للاستمرار في وتيرة العمل، ما يجعل الأنشطة الداخلية خيارا عمليا أقل كلفة وأكثر واقعية في الوقت الحالي.
وتعكس حالة محمد وجملة الحالات الأخرى التي رصدتها “الغد” جانبا من التحولات الهادئة التي تطال نمط حياة الأسر في الأردن، إذ لم تعد الخيارات الترفيهية بمعزل عن الضغوط الاقتصادية، بل أصبحت جزءا من معادلة يومية تُدار بين الحاجة للراحة، وارتفاع كلف المعيشة، وإعادة تعريف مفهوم الترفيه ذاته.
وتركت الأزمات الجيوسياسية والاقتصادية في الإقليم والعالم خلال السنوات الأخيرة تبعات اقتصادية كبرى على الدول وكذلك معيشية على الشعوب، نجم عنها ارتفاعات كبيرة في أسعار السلع والخدمات، إذ وصلت معدلات التضخم عالميا مستويات غير مسبوقة، وما زالت آثارها على الأسواق العالمية ملموسة رغم تراجعها مؤخرا، إذ كان لذلك انعكاسات على السوق الأردني وبالتالي على الأسر، عدا عن ثبات الأجور محليا منذ سنوات طويلة، مما عقد الوضع الاقتصادي لتلك الأسر.
أما المعلمة مريم فتؤكد أن الظروف الاقتصادية للأسرة والالتزامات المالية والاحتياجات المترتبة عليها حدّت من قدرة الأسرة على ممارسة الأنشطة الخارجية باستمرار، في ظل إعادة ترتيب أولويات الإنفاق اليومي.
وتوضح أنه في ظل الظروف الحالية، أصبحت الأسرة تكتفي بتناول الطعام خارج المنزل مرة واحدة في الشهر، إلى جانب الاكتفاء بسهرتين فقط خلال الشهر في أحد المقاهي، بعدما كانت العائلة معتادة على ذلك أسبوعيا في تحول تدريجي في نمط الحياة الاجتماعية.
وتبين مريم أنها رغم ذلك تحرص على ممارسة بعض الأنشطة الخارجية، لما لها من دور معنوي وتحفيزي في تغيير المزاج النفسي ورفع دافعية العمل، معتبرة أن الترفيه بات يُدار اليوم ضمن هامش ضيق بين الحاجة والقدرة.
أما الثلاثيني عمر أحمد فيحرص هو الآخر على إيجاد فسحة من الوقت كل عشرة أيام للخروج من أجواء العمل وملل الروتين اليومي، رغم الأزمة المالية التي يمر بها مع أسرته، بعد أن خسر عمله ومدخراته خلال جائحة كورونا، قبل أن يتمكن من الحصول على وظيفة جديدة منتصف العام الماضي.
ويذكر أن جائحة كورونا تركت تبعات كبرى على الاقتصاد الوطني، لاسيما على معدلات البطالة التي سجلت خلالها مستوى قياسيا، إذ بلغ معدل البطالة خلال الربع الأخير من عام 2020 نحو 24.7 %، وتقدر دراسات غير رسمية تسبب كورونا بخسارة أكثر من 100 ألف أردني لوظائفهم ومعظمها في القطاع الخاص، إلا أن معدلات البطالة خلال العامين الأخيرين عادت للانخفاض ولتستقر حول 21.4 %.
ولفت عمر إلى أنه كان يقضي سابقا يومين في كل شهر في رحلة إلى العقبة، فضلا عن الخروج أسبوعيا مع عائلته وأصدقائه لتناول الطعام خارج المنزل، إلا أنه اضطر إلى التخلي عن هذه العادة تحت ضغوط ظروفه المعيشية.
آلية تكيف طبيعية مع الضغوط الاقتصادية والمعيشية المتزايدة
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي حسام عايش أن سلوك الأسر ذات الدخل المحدود في البحث عن أشكال بسيطة ومنخفضة الكلفة من الرفاه والترفيه، يمثل آلية تكيف طبيعية مع الضغوط الاقتصادية والمعيشية المتزايدة، خصوصا في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
وأشار عايش إلى أن هذا النوع من “الرفاه البسيط” – مثل تناول وجبات خارج المنزل بتكلفة رمزية، أو القيام برحلات قصيرة إلى أماكن سياحية محلية منخفضة الكلفة – لا يعد ترفا بالمعنى التقليدي، بل أداة لتعويض الضغوط وتحقيق توازن نفسي واجتماعي للأسرة، ينعكس على جودة الحياة والاستقرار اليومي.
وأكد أن هذه الأنماط من الاستهلاك، رغم محدوديتها، تسهم في تنشيط قطاعات اقتصادية صغيرة وخدماتية، وتحافظ على دوران الطلب المحلي، ما يمنحها دورا غير مباشر في دعم الاستقرار الاقتصادي، حتى وإن لم تكن محركا رئيسا للنمو.
ولفت عايش إلى أن الاستثمار في تعزيز الرفاه الاجتماعي للفئات محدودة ومتوسطة الدخل، عبر مبادرات أو مؤسسات وطنية معنية، يمكن أن يحقق أثرا مضاعفا، ليس فقط على المستوى المعيشي، بل أيضا على السلم الاجتماعي والإنتاجية والاستقرار العام، معتبرا أن كلفته قد تكون محدودة مقارنة بعوائده.
وشدد عايش على أن الرفاه الاجتماعي لا يعد ترفا، بل إنه عنصر من عناصر الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وأداة لتعزيز التماسك المجتمعي وتحفيز النشاط الاستهلاكي اليومي ضمن حدود الإمكانات المتاحة.
ويشار إلى أن بيانات مسح نفقات ودخل الأسرة الصادر عن دائرة الإحصاءات العامة للعام 2018/2017، وهو آخر مسح نفذته الإحصاءات حول النفقات ودخل الأسر، كانت أظهرت أن متوسط الإنفاق السنوي للأسر الأردنية على السلع الغذائية وغير الغذائية والخدمات، بلغ ما يقارب 12519 دينارا، حيث شكل الإنفاق على السلع الغذائية ما نسبته 32.6 % من مجموع الإنفاق الكلي، وبلغ متوسط إنفاق الفرد السنوي منه على الغذاء نحو 843 دينارا.

عبد الرحمن الخوالدة// الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة