“الحميمة” في العقبة.. هل تتحول لوجهة سياحية نابضة بالحياة؟

العقبة – تترقب منطقة الحميمة في العقبة نقلة نوعية تستثمر في مكانتها التاريخية البارزة، بوصفها موقع انطلاق الثورة العباسية ومركزا سياسيا مؤثرا في تاريخ المنطقة، فضلا عما تؤكده الدراسات أيضا عن دورها كمحطة ربط للتجارة والحج وصناعة القرار في عصور مفصلية.
وثمة انتقادات تبرز لعدم استغلال المنطقة من الناحية السياحية، وسط دعوات لربطها بمسار مع البترا ووادي رم، في حين توضح مديرية آثار العقبة أنها “تتجه نحو إعادة تعريف الموقع كوجهة سياحية ثقافية عالمية ذات قيمة مضافة”.
وبحسب الخبير الإستراتيجي في اقتصاديات التراث والتنمية المستدامة الدكتور محمد صمادي، فإن “الحميمة تعد موقعا يمتلك قصة تضاهي قصص البترا وروما؛ قصة تحولات سياسية، وثورات، وهندسة مياه نبطية معقدة، مؤكدا أن الحميمة تدار اليوم بعقلية حارس الآثار بدلا من عقلية صانع الوجهة، فمشكلتنا في فقر الخيال الإداري الذي يستسهل الترويج للمنتج الجاهز ويعجز عن خلق منتج جديد”.
وأضاف “مأساة الحميمة تمتد لتجاهل عبقرية المكان الطبيعية، من أبرزها سحر السماء الليلية بعيدا عن التلوث الضوئي، وهدوء الرمال، ومساحات مفتوحة تقود إلى مغامرة المشي والتخييم البيئي ومراقبة النجوم، وهذه الطبيعة تقود إلى قلب التجربة التي يمكن أن تكون بديلا مقنعا للنمط السياحي الشاطئي السائد، إذا ما ارتبطت ببنية تحتية وخدمات وخطط تشغيلية واضحة”.
أما الخبير المتخصص في الإدارة السياحية الدكتور إبراهيم الكردي، فيرى “أن الحميمة ليست مشكلة موقع أثري بقدر ما هي مشكلة نموذج تفكير، وما لم نغير زاوية الرؤية من موقع يحتاج صيانة إلى منصة تجربة قادرة على الإنتاج، سنبقى ندور في الحلقة نفسها”، مؤكدا “أن الحميمة لا تنافس البترا، إذ تكمن قوتها في العمق السردي، ما يتيح لها خلق اقتصاد تجربة حقيقي، لا سيما تجربة العزلة الذكية، إذ إن الزائر العالمي يبحث عن الصمت، النجوم، الانفصال الرقمي، والعودة إلى المعنى، بالإضافة الى سردية مزدوجة نادرة عالميا لأن الحميمة مهد الدولة العباسية (قصة تاريخية – سياسية) وهندسة المياه النبطية، إلى جانب منتجات سياحية مبتكرة كمسارات مشي طويلة، تجارب مبيت صحراوي منخفض الأثر البيئي، وبرامج تعليمية وتفاعلية حول الحياة التقليدية وإدارة الموارد”.
وأشار الكردي إلى “أن النموذج الاستثماري للحميمة يحتاج إلى جرأة من دون تشويه الهوية، فالقطاع الخاص لا يخشى الصحراء، بل يخشى الغموض التشريعي والقيود الإدارية”، مقترحا “نموذجBOT ثقافي- بيئي، يركز على الاستثمار محدود الحجم وعالي القيمة، وعائد مبني على التجربة وليس الأعداد، مع ربط الحميمة بمسارات سياحة بيئية متكاملة تشمل البترا الخلفية ووادي عربة، ليعيش السائح رحلة كاملة”.
“القوة الكامنة للحميمة”
وبحسب مدير أحد المخيمات السياحية أحمد الزوايدة، فإن “عصر الفنادق الخمس نجوم والجدران الإسمنتية المعزولة قد بدأ بالأفول لصالح سياحة المعنى”، مشيرا إلى “أن السائح العالمي اليوم لم تعد تغريه الرفاهية التقليدية التي يجدها في أي عاصمة في العالم؛ هو يبحث عن العزلة المقدسة، عن القصة التي لم ترو بعد، وعن اتصال روحي مباشر مع الأرض والتاريخ، وهنا تكمن القوة الكامنة للحميمة التي لم نحسن استغلالها بعد”.
وأضاف “أن الحميمة توفر منصة مثالية ونادرة لما نسميه (سياحة الفلك) وسياحة المسارات التاريخية، ونحن نتحدث عن إعادة إحياء طريق البخور ودروب التجارة القديمة، ولنتخيل معا مسارا يمشيه السائح من قمم جبال الشراة نزولا إلى سهول الحميمة، محاكيا بدقة هندسية طريق جر المياه النبطي العظيم، وهذا سفر عبر الزمن يباع بالذهب في الأسواق العالمية التي تتعطش للتجارب الأصيلة.”
وبين الزوايدة “أنه من المؤلم أن نرى كنزا بهذا الحجم متروكا للغبار والنسيان، بينما يمكنه أن يكون عصب الاقتصاد الجديد في الجنوب، فالاستثمار في الحميمة يحتاج إلى فهم عميق لروح المكان، وتقديم خدمات ذكية تحترم البيئة والتاريخ، وتجعل من الزائر شريكا في الحكاية لا مجرد عابر سبيل”، مؤكدا “أن المشكلة ليست في قيمة الحميمة النظرية التي يدركها الجميع، بل في غياب مقاربة تنموية شاملة تترجم هذه القيمة إلى واقع ملموس”.
وفي شهادة حية توثق رحلة ربع قرن مع المكان، يكشف الرحالة والمؤرخ عبد الرحيم العرجان عن الوجه الآخر للحميمة، قائلا “منذ أول زيارة لي قبل 26 عاما، وقبل أن تمتد يد الترميم إلى بعض أجزائها، أدركت أن الحميمة ليست مجرد نقطة عبور. كانت جولاتنا تمتد من قلب الموقع إلى مشارف العقبة ووادي عربة، مستكشفين أفقا فسيحا من وادي النقب لوجهات غابت كليا عن الإعلام رغم أنها مسرح مثالي لسياحة المغامرة”.
وعن الجهود المبذولة لترسيم خريطة جديدة للمكان، يضيف العرجان “لقد عملنا بجهد مضن مع سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة ومتطوعين من الأهالي لتمشيط المنطقة بالكامل، ونجحنا في ترسيم 5 مسارات للمشي (3 أنجزت و2 قيد التنفيذ) وفق أعلى المواصفات العالمية التي تدمج الجغرافيا بالتراث”، مشيرا إلى أنه “من أبرز هذه الإنجازات مسار (شق العباسية) أو (العجوز)، وهو صدع جيولوجي مذهل بطول 3 كم يأخذك في رحلة إلى باطن الأرض، وقد تم تكييفه ليكون آمنا تماما ومزودا بلوحات إرشادية وتحذيرية، ليكون مؤهلا للإدراج ضمن قائمة التراث الإنساني العالمي.”
وأكد “القيمة الإستراتيجية للحميمة بوصفها شيفرة التاريخ في الجنوب؛ أنشأها الحاكم النبطي حارثة الرابع لتكون مجمعا للقوافل المتجهة إلى أفريقيا وغزة، ثم حولها الرومان لمركز فيالقهم، قبل أن تصبح غرفة عمليات العباسيين ومنشأ خلفائهم”.
كما أشار العرجان إلى “أن الحميمة تضم أعظم نظام حصاد مائي بطول 26 كم، وطبيعة قل نظيرها في الشرق الأوسط”، مضيفا “لقد مشيت من هنا إلى سيناء رافعاً شعار (من الحميمة إلى سيناء) لأثبت للعالم أن هذا الطريق النبطي ما يزال حيا، وقدمنا أبحاثا علمية في السعودية وأمام آلاف الرحالة لنقول إن الحميمة هي الأصل، وهي المستقبل إذا أردنا ذلك.”
غياب البنية التحتية الأساسية
ووفق العامل في القطاع السياحي معن الشراري، فيؤكد “أنه لا يوجد في الحميمة مكان لائق لتناول وجبة غداء تقليدية ولا دورات مياه نظيفة”، مضيفا “نحن نحرج أنفسنا كقطاع خاص عندما نروج لمواقع تفتقر لأبسط مقومات الكرامة الإنسانية للزائر، ويجب على الجهات المعنية أن تضع البنية التحتية الأساسية، ونحن سنضع الاستثمار، وهذه المعادلة بسيطة لكنها معطلة”.
أما المواطن محمد المناجعة، فيقول “في وجه التحدي المالي الذي تتذرع به الجهات الرسمية دائما، يبرز خيار الاستثمار الذكي، حيث يمكن للحميمة أن تستفيد من بنية تحتية بسيطة وميسورة، لكنها ذكية ومصممة بشكل يحترم خصوصية المكان ويحافظ على طبيعته وإرثه، من أبرزها مراكز زوار متكيفة مع البيئة ومبنية من الحجر المحلي، مسارات سياحية آمنة ومخطط لها بعناية، مخيمات بيئية مدروسة تحاكي الخيام العربية القديمة، وخدمات إرشاد محلية كفؤة، إضافة إلى لوحات تعريف متعددة اللغات ومرافق صحية وخدمات للطوارئ”.
وأضاف المناجعة “أن هذا التدرج في الخدمات يخفض التكلفة الرأسمالية، لكنه يرفع العائد التشغيلي، ويعيد توزيع الثروة السياحية جغرافيا داخل محافظة العقبة، وهو هدف وطني إستراتيجي يمكن توجيه الاستثمار نحوه بشكل ملزم”، مؤكدا “إننا نرى الحافلات السياحية تمر من بعيد متجهة إلى رم، وقلوبنا تعتصر، فحين نحسن البنية التحتية ونفتح أبواب الحميمة أمام الزائرين، سنتعلم كيف نبني تراثنا من جديد، وكيف يحافظ أبناؤنا على القصص ويعيدون صياغتها بحب ومسؤولية”.
من جهته، قال رئيس جمعية الحميمة العباسية التعاونية السياحية متعددة الأغراض، ياسين هملان الحويطات “إن جهودا بذلت في موقع الحميمة خلال الفترة الماضية جاءت انطلاقا من قناعة بأن حماية الموقع الأثري لا تنفصل عن حماية محيطه البيئي وتمكين مجتمعه المحلي.”
وأضاف الحويطات “أن الجمعية، بالشراكة مع صندوق آفاق الحميمة للسياحة البيئية المستدامة (AHF) بوصفه الذراع التنفيذي، عملت على نقل الحميمة من إطار المبادرات المحدودة إلى نموذج مؤسسي متكامل للسياحة البيئية المستدامة، يوازن بين صون التراث، واستعادة النظم البيئية، وبناء منتج سياحي مسؤول يحترم خصوصية المكان”.
كما أشار إلى “أن التجربة الميدانية في وادي قلخة تمثل اليوم نموذجا عمليا للحماية البيئية المجتمعية، بعد نجاح برامج وقف الرعي، واستعادة الغطاء النباتي، ورصد عودة الحياة البرية، بإدارة يومية يقودها أبناء المجتمع المحلي أنفسهم، ما عزز مفهوم الشراكة والحماية المستدامة منخفضة الكلفة وعالية الأثر.”
منتج سياحي بيئي جديد
وأوضح الحويطات “أن الجمعية عملت بالتوازي على تطوير ملامح منتج سياحي بيئي جديد يقوم على التجربة الشاملة لا الزيارة السريعة، من خلال المسارات البيئية، وبرامج المخيمات منخفضة الأثر، وربط الحميمة بمحيطها الطبيعي ضمن المثلث الذهبي، بما يفتح آفاقا جديدة للسياحة البيئية في جنوب المملكة”، مؤكدا “أن المجتمع المحلي كان في صلب هذا التوجه، عبر مبادرات تمكين المرأة مثل (نشميات الحميمة)، وتدريب الشباب على أعمال الحماية البيئية وصيانة التراث المعماري والتشغيل السياحي، بما أسهم في تحويل المجتمع من متلق للدعم إلى شريك فاعل في التخطيط والتنفيذ والحماية”.
وبين “أن مشروع الحميمة البيئي السياحي بات اليوم جاهزا للانتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الاعتماد والتوسع، باعتباره مشروعا وطنيا ناشئا يقدم مقاربة مختلفة للسياحة، تقوم على احترام المكان، وتعظيم قيمته، وربط التنمية بالإنسان والهوية”.
من جانبه، أكد مدير آثار العقبة ماهر العمريين “أن الجهود الرسمية المبذولة في موقع الحميمة الأثري لم تعد تقتصر على أعمال الترميم التقليدية، بل تتجه نحو إعادة تعريف الموقع كوجهة سياحية ثقافية عالمية ذات قيمة مضافة”، موضحا “أن العمل يجري بوتيرة متسارعة لتأهيل الحميمة ضمن رؤية شمولية توازن بين صون الإرث الحضاري للمكان وتفعيل دوره التنموي والسياحي”.
وأضاف “أن دائرة الآثار تعمل بالتوازي على إعادة قراءة الموقع سياحيا من خلال تنسيق مؤسسي مع سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، بهدف استحداث مسارات سياحية نوعية تتجاوز مفهوم الزيارة السريعة، وتدمج الحميمة ضمن تجربة متكاملة تربط التاريخ بالطبيعة والمغامرة”، مؤكدا “أن إدراج الحميمة ضمن مسار سياحي متصل مع البترا ووادي رم، يعيد تثبيت الموقع في قلب المثلث الذهبي، ويفتح آفاقا جديدة لتنويع المنتج السياحي الأردني، ويعزز قدرة الجنوب على جذب أنماط سياحة نوعية تقوم على العمق السردي والتجربة الأصيلة، لا على الكثافة العددية.”
كما أوضح العمريين “أن المرحلة المقبلة ستركز على تحويل الحميمة من موقع أثري مهم إلى محطة رئيسة على خريطة السياحة الثقافية والبيئية، بما يرسخ حضورها الإقليمي والدولي، ويخدم رؤية الأردن في تطوير منتج سياحي تنافسي ومستدام”.

