الخريف الأوروبي… حين تتساقط الأقنعة. //د. باسم القضاة

طالما مرّت سنواتٌ على منطقتنا العربية، حملت معها حكّامًا وأسقطت أنظمةً، وأغرقت دولًا في الفوضى والاضطراب، بينما كانت أوروبا والعالم يراقبان المشهد من بعيد، ويمنحان تلك السنوات اسمًا رنّانًا: «الربيع العربي».
يومها، بدا المشهد وكأن الديمقراطية قد وجدت طريقها إلى المنطقة، وكأن الحريات ستزهر فوق أنقاض الأنظمة، وكأن الذين يراقبون من خلف الشاشات يقفون على أرضٍ صلبة، لا تعرف الاهتزاز ولا تخشى العواصف.
لكن سبحان مقلّب الأحوال!
ها هي الأيام تدور، والمشاهد تتبدّل، والأقنعة التي طالما ارتدتها بعض القوى الغربية باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان بدأت تتساقط، واحدةً تلو الأخرى، على وقع الأزمات والانقسامات والاضطرابات التي تضرب مجتمعاتها.
واليوم، أجدني أطلق على ما نشهده من تصدّعات واضطرابات في المشهد الأوروبي اسمًا يليق به: «الخريف الأوروبي».
ليس لأن الخريف فصل سقوط الأوراق فحسب، بل لأنه الفصل الذي يكشف حقيقة الأشجار؛ فما كان أخضرَ بفعل الطبيعة قد يبقى واقفًا، وما كان أخضرَ بفعل الزينة والطلاء تفضحه أول ريح.
لقد اعتادت بعض العواصم الأوروبية أن تنظر إلى منطقتنا العربية من علٍ، وأن توزّع شهادات الديمقراطية، وتُصدر أحكامًا على شرعية الأنظمة، وتُصنّف الشعوب بين من يستحق الحرية ومن يحتاج إلى من يعلّمه كيف يمارسها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: من يراقب المراقبين؟ ومن يمنح الشهادات لمن ظلّ طويلًا يوزّعها على الآخرين؟
فالديمقراطية ليست امتيازًا جغرافيًا، وحقوق الإنسان ليست سلعةً تُصدَّر إلى الخصوم وتُحجب عن الحلفاء، والاستقرار ليس حكرًا على قارة دون أخرى. أما القوة التي تحتاج إلى إخفاء تناقضاتها خلف شعارات براقة، فليست بالضرورة قوةً راسخة، بل قد تكون صورةً متقنة الإخراج تنتظر لحظة انكشافها.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي ألّا نخلط بين أزمات أوروبا وسقوطها، ولا بين اضطراب بعض مجتمعاتها وانهيار منظوماتها؛ فالدول لا تُقاس بعاصفة عابرة، كما لا تُقاس تجارب الشعوب العربية كلها بنتائج مرحلة واحدة.
لكن ما يستحق التأمل حقًا هو ازدواجية المعايير، وسرعة إطلاق الأحكام على الآخرين، وبطء الاعتراف بالأخطاء حين تصبح داخل الحدود الأوروبية نفسها.
بالأمس كان الربيع عربيًا، وكانت الكاميرات تتجه شرقًا، وكانت التحليلات تبحث عن عيوبنا تحت كل حجر. واليوم، حين تهبّ الرياح في الغرب، لم يعد المشهد بعيدًا عن عدسات النقد، ولم تعد الأسئلة حكرًا على العرب.
فسبحان من يغيّر الأحوال، ويبدّل مواقع المتفرجين، ويذكّر الجميع بأن التاريخ لا يمنح أحدًا مقعدًا دائمًا في شرفة المراقبة.
إنه الخريف الأوروبي؛ لا بوصفه نهاية أوروبا، بل بوصفه موسمًا لاختبار صورتها عن نفسها، ومراجعة خطابها تجاه الآخرين.
فحين تتساقط أوراق الشجر، لا تسقط الأشجار جميعها، لكنها تكشف ما كان يخفيه اخضرارها.
وحين تتساقط الأقنعة، لا تكون المشكلة في سقوط القناع، بل في الاعتقاد طويلًا بأن أحدًا لن يكتشف الوجه الذي تحته.

