الخسائر الأميركية المتواصلة.. هل تدفع لانسحاب تكتيكي من الحرب؟

– في ظل تصاعد الحرب بين واشنطن وطهران، يثار سؤال حول ما إذا كانت الخسائر العسكرية قد تدفع الولايات المتحدة إلى انسحاب تكتيكي من الحرب.
وأشارت تقارير غربية منها مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) وAtlantic Council، إلى أن الخسائر العسكرية تُعد جزءا طبيعيا من أي مواجهة، لكنها تترك أثرا واضحا على الرأي العام الأميركي والإعلام ما يفرض ضغوطا على الإدارة وصناع القرار.

ومع ذلك، فإن الانسحاب ليس خيارا سهلا، حيث يرتبط الوجود الأميركي في الشرق الأوسط بمصالح إستراتيجية تشمل أمن الطاقة، والنفوذ الجيوسياسي وردع الخصوم في مناطق أخرى مثل أوروبا وآسيا.
ويرى محللون أن استمرار خسائر الحرب دون تحقيق تقدم سياسي أو عسكري ملموس قد يدفع واشنطن إلى مراجعة خياراتها بين التفاوض أو التصعيد، لكن قرار الانسحاب يبقى معقدا ومكلفا على مستوى المكانة الدولية.
انسحاب واشنطن غير واقعي
وفي تعليقه على هذا الأمر، أكد رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية الدكتور خالد شنيكات أن الحديث عن انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط ما يزال مبكرا وغير واقعي في هذه المرحلة، نظرا للأهمية الإستراتيجية البالغة التي تمثلها المنطقة بالنسبة لواشنطن.
وبيّن شنيكات أن الوجود الأميركي يرتبط بجملة من المصالح الحيوية، أبرزها السيطرة على موارد الطاقة وأسواق البترودولار، إضافة إلى الحفاظ على النفوذ الاقتصادي والتجاري.
وأشار إلى أن هذا الحضور يشكل أيضا ركيزة أساسية للرؤية الإسرائيلية التي تستند إلى دعم الولايات المتحدة في تعزيز نفوذها الإقليمي.
وأوضح أن الخسائر التي تتعرض لها واشنطن في بعض العمليات العسكرية تُعد تكتيكية ولا ترقى إلى مستوى يدفعها للانسحاب، لافتا إلى أن قرار الخروج لا يُتخذ إلا في حال تكبد خسائر جسيمة وطويلة الأمد وهو أمر غير مطروح حاليا.
وأضاف شنيكات أن مغادرة الولايات المتحدة للمنطقة ستنعكس مباشرة على مكانتها الدولية في مختلف الأقاليم، سواء في أوروبا أو أوكرانيا أو تايوان، ما يجعل خيار الانسحاب مكلفا سياسيا وإستراتيجيا.
وتابع: “المعارك قد تتجه نحو مزيد من التصعيد والضراوة، مشيرا إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما يزال يراهن على أن استخدام المزيد من القوة قد يحسم المواجهة مع إيران سريعا، بدلا من الانسحاب”.
ولفت إلى أن طلب الإدارة الأميركية اعتمادات مالية إضافية من الكونغرس تصل إلى 200 مليار دولار، ورفع الموازنة العسكرية إلى نحو تريليون ونصف تريليون دولار، يعكس أن المعركة ليست قصيرة الأمد، ما لم يتم التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.
رهان على تغيير السلوك الإيراني
من جانبه، اعتبر أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الألمانية الأردنية الدكتور بدر الماضي أن الخسائر التي تتعرض لها الولايات المتحدة في حربها مع إيران ما تزال ضمن الحدود المتوقعة، ولا تُعد مؤثرة بشكل جوهري على المؤسسة العسكرية أو القرار السياسي الأميركي.
ولفت الماضي إلى أن إسقاط بعض الطائرات أو تكبد خسائر ميدانية لا يشكل عاملا حاسما لإنهاء الحرب، بل على العكس قد يدفع واشنطن إلى مزيد من التشدد في المرحلة المقبلة، خاصة في ظل تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتحويل إيران إلى “جحيم”.
وأشار إلى أن الخطط العسكرية الأميركية تسير وفق ما هو مرسوم وإن كانت قابلة للتعديل بين الحين والآخر، مؤكدا أن واشنطن ما تزال ترى نفسها قادرة على فرض إرادتها العسكرية والسياسية على إيران والسعي لتغيير سلوكها السياسي على الأقل.
وشدد على أن الولايات المتحدة تراهن على أن تؤدي الضربات المستمرة إلى تحريك الداخل الإيراني وإثارة الرأي العام، في وقت يحظى ترامب بدعم ملحوظ من قاعدته الانتخابية، ما يجعله في موقع آمن داخليا.  وأضاف الماضي أن هذه الخسائر لن تشكل ضغطا كافيا لدفع الإدارة الأميركية نحو وقف الحرب.
تفاوض أم تصعيد؟
بدوره، قال الباحث والمحلل السياسي عصمت منصور إن الخسائر العسكرية، رغم أهميتها، لا تُقاس فقط بعدد الضحايا أو حجم الأضرار بل بما تتركه من انعكاسات على المعنويات داخل الولايات المتحدة، سواء في الشارع أو في وسائل الإعلام أو في أروقة الإدارة الأميركية.
وأكد منصور أن تراكم هذه الخسائر، إلى جانب غياب أي تقدم سياسي ملموس، يخلق حالة من الجمود ويعزز الشعور بعدم القدرة على تحقيق إنجازات حاسمة على المستويين العسكري والسياسي في آن واحد.  وأضاف أن استمرار المعركة التي دخلت شهرها الثاني مع تسجيل خسائر متكررة، يبعث برسائل سلبية ويترك أثرا واضحا داخل المؤسسة العسكرية والإدارة الأميركية.
ولفت منصور إلى أن هذه التطورات قد تدفع واشنطن إلى إعادة النظر في خياراتها، إما بالاتجاه نحو التفاوض ومحاولة التوصل إلى اتفاق أو بالتصعيد العسكري، إذ إن البقاء في وتيرة الصراع الحالية ستترتب عليه تكلفة عالية وربما يفتح الباب أمام شعور بالفشل.
وشدد على أن الخسائر العسكرية تُعد جزءا طبيعيا من أي مواجهة، لكن تكرارها بهذا الشكل يفرض ضغوطا إضافية على صناع القرار ويؤثر في سرعة الحسم وتحديد المسار المقبل، سواء نحو تسوية سياسية أو نحو مزيد من التصعيد.

 

وكالات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة