الرقصة الأخيرة// سعيد ذياب سليم

مثل عاصفة رعدية مفاجئة، قطعت الموسيقى الحديث قبل أن يكتمل، وبقيت كلماته معلّقة في الهواء.
كان في طرف الصالة، يجلس مع أصدقائه القدامى، بعيدًا عن الفسحة المخصصة كمسرح، لا يرى سوى ومضات متقطعة من الأجساد.
يجلسون في طرف الصالة، مصطفّين بهدوء، كرصاصٍ منتظمٍ في حزام فارس.
تكسوهم هيبة صامتة، ويستقرّ الوقار في وجوههم كأثرٍ قديمٍ لا يُمحى.
يتبادلون التحية، ويتساءلون عن هذا وذاك، فيما تبحث أعينهم في أرجاء الصالة عن الأحبة.
يتذكرون من كان بالأمس بينهم ومضى، ويختلسون النظر نحو الداخل كلما وصل قادم جديد، كأنهم ينتظرون وجهًا تأخر كثيرًا.
لكن هيهات.
المِجٔوِز يعلو، والطبلة تضرب بإيقاع مرح لا يهدأ، كأنها لا تدعو بل تستدرج.
شعر بجسده يهتز. لم يكن متأكدًا: أهو الذي يتحرك، أم أن الكرسي تحته بدأ يرقص به؟ لكنه بدأ ينقر بأصابعه متجاوبا، ويميل برأسه طربا.
ليس هذا فحسب، بل أخذت الأفكار تدور في رأسه، في حفلة موازية، تذكّر متألما، هو لا يتقن الرقص بأشكاله، كانت تقتصر مشاركته في الحفلات المماثلة على ضرب الأكف مصفقا.
لم تستطع فرحته أن ترفع جسده إلى أعلى، كعصفور ضعيف الجناح.
عاش عمره واقفًا على مسافة من اللهو، لذلك لم يتعلم الرقص قط.
دفعه الفضول للوقوف، من بين الرؤوس، لمحهم: صفًّا واحدًا، قامات منتصبة، أيدٍ متشابكة، أقدام تضرب الأرض كأنها تختبر صلابتها.
قام الجميع. جذبهم الفرح فالتفّوا حول فرقة الدبكة.
وبقي هو يراقب من مكانه، و يسائل النفس عن ماضي الأيام.
كانت فرقة الدبكة تتحرك بتناغم جميل، متجاوبة مع توجيه قائدها، الذي يستعرض حركاته المميزة، يطوّح عصاه في الفضاء ثم يلقفها، ويدفع الفرقة خطوة خطوة.
راقب، وحسب الخطوات، وبدأت ترتسم في ذهنه الحركات، أعجبه الانتظام والدقة. سارع الشباب للانضمام إلى الصف، وداروا معه،
مر طاقم الضيافة بين الصفوف، يقدّمون الحلوى وأكواب العصير الباردة. وامتزج رنين الملاعق والأطباق بالإيقاع، حتى بدا كأنه جزء من الموسيقى، بينما ظل المِجٔوِز والطبلة يعلوان بإيقاع متدفق. فجأة ارتفعت الزغاريد، وانشق الجمع عن العريس محمولًا على الأكتاف، يحيط به إخوته وأصدقاؤه، فيما تعالت أصوات الرجال:
“وسع الميدان يا بيي ولد…
وسع الميدان…”
لوّح أحد رجال الفرقة بعصاه، واتسعت الحلقة، واندفع الشباب خلف الزفّة كأن الفرح يسحبهم سحبًا..
تابع المشهد بصمت، كأن الفرح يدور حوله في دائرة تضيق شيئًا فشيئًا.
تقدم خطوات من الحلقة التي تضم الفرقة والجمهور. لفت نظره حفيداه يقابلان الصف الذي انتظم في الدبكة، يضع أحدهما يده على كتف الآخر، يقفزان في الهواء، ترفس أرجلهما ثم يهبطان ليعاودا القفز من جديد، يلهوان كما يلهو أبواهما، فقد اكتشفا لهوا من نوع جديد، صخبا وفوضى يشترك فيها الكبار والصغار.
تقدم إليه بنوه باحترام، أمسكوا بيديه في دعوة للمشاركة، شعر بقدميه تنقلانه إلى الصف، ضحك، تردد قليلًا، لكنه انتظم في الصف، كطائرٍ متأخرٍ جرّب جناحيه أخيرًا.
خطوتان إلى الأمام ثم يدب بقدمه على الأرض، ويرجع خطوتان إلى الخلف، ثم يعاود المناورة ذهابا وإيابا.

شعر بالسرور يطلق له جناحاه، وأسكره الفرح.
دقائق قليلة، ثم تسارعت دقات قلبه، وبلله عرق بارد، فقد انتظام العد، وفي حركة مفاجئة تحرك الصف حركة جانبية سريعة، شعر كمن ينزلق في دوامة.
أمسك به ولداه بقوة، أخرجاه من الصف
و أجلساه على مقعد قريب،
كانت الصالة تدور حوله بسرعة، يسمع من حوله يخاطبونه لكن لا يعي ما يريدون.
توقفت الصالة عن الدوران، وبدأت تنتظم الحركات في مرمى نظره، صدحت الموسيقى، وضحكت الطبلة بمرح، تناول كوب ماء من يد ولده، شرب جرعات منه يرطب حلقه، تبسم قليلا، ولم يسلم نفسه للوجوم.
استمر حفيداه يلهوان، يقلدان، ويحفران في الذاكرة مرأى جدهما وأبويهما حوله كالجناحين.
نظر إليهما وهما يقفزان في غير انتظام، يضحكان دون أن يعدّا الخطوات.
أدرك فجأة أن الإيقاع لا يُورَّث كما هو، بل يُولد من جديد.
أما هو…
فصار خارج الصف.
سعيد ذياب سليم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة