السراج والبابور.. من الزينة التراثية لبدائل محتملة في ظل الأزمات

عمان- في الماضي القريب، كانت تعد تراثا و”أنتيك” للزينة في البيوت، تربط بين زمنين؛ من السراج والفانوس والشمبر والبابور وغيرها من أدوات الإنارة، التي لطالما زينت البيوت وأضفت عليها روحا دافئة من عبق الزمن الجميل.

لكن، تبين أنها قد تكون المخرج في أزمات تعصف بالمنطقة، ورغم أن الأردن ليس طرفا مباشرا فيها، إلا أن المخاوف من تبعاتها دفعت بعض الناس للبحث عن بدائل، فكان اللجوء إلى مخزن بيت الأجداد.
قطع تستعيد حضورها
وبعد أن كانت مركونة لسنوات في إحدى زوايا غرفة “الضيوف” كزينة، استعادت حضورها من جديد؛ إذ عاد البعض إلى بيوت الأجداد لأخذ هذه الأدوات ووضعها في منازلهم، لتكون خيارا يلبي الاحتياجات في أوقات الطوارئ.
ومع هذه العودة، عادت الذكريات التي تحملها قلوب الأجداد، لتلمع في العقول حكايات الماضي؛ فالحاجة أم بلال (85 عاما) جمعت أحفادها حولها، وبدأت تقص لهم حكايات عن الماضي، وكيف كان الفانوس ينير سهراتهم ويغلف جلساتهم بالدفء.
قصة تتبعها أخرى، وسؤال وراءه سؤال، هكذا تصف أم بلال سهرة لا تنسى، مؤكدة أن مشاركة هذه الحكايات أعادتها إلى أيام مضت، عاشت فيها أجمل سنوات عمرها وأبسطها.
أجداد يسردون قصصا للأحفاد
في المقابل، اتجه أبو محمد (62 عاما) إلى بيت والديه برفقة زوجته وبناته، للبحث في زوايا البيت عما يحتفظون به، فوجدوا في غرفة الضيوف فانوسا قديما وسراجا، وبدأ أبو محمد يسرد لبناته كيف كانت الاستخدامات حينها، وما هي أجزاؤه من الشعلة إلى الزجاج، وكيف كانت له قيمة كبيرة في قريته.
وجدوا البابور في “سدة” المنزل، وبرفقته أجزاؤه المفككة، وبدأ أبو محمد بنفض الغبار عنه ومحاولة جمعه، وبدأ يسرد لبناته كيف كان يستخدم للطهي في بيته في بعض الأوقات.
“كل عيلة كان عندهم البابور”، يقول أبو محمد عن القيمة الكبيرة التي يحملها، وكانت الفرحة عندما أشعله، فرائحة الكاز أعادت إليه ذكرياته القديمة، فابتسم بعدها وقال لأفراد عائلته “إن شاء الله ما رح نحتاجه”.
أدوات قديمة تتحول لمخزون ثقافي
خبير التراث نايف النوايسة يبين أنه علينا النظر إلى المتاح من الأدوات الشعبية في حينها، موضحا أنه يصعب الموازنة في التفوق بين عهد وآخر، فمثلا كان الناس قبل البنورة والشمبر والفنيار والبريموس يستخدمون الضواية والحطب، وهذا يعني تطورا ملحوظا نتيجة التقدم الصناعي.
ويرى أن سياق التطور مستمر ومتصاعد، لذلك تحال تلك الأدوات القديمة إلى مخزوننا التراثي المرتبط بالجذور.
ويشير النوايسة إلى أنه عند النظر إلى تلك الأدوات نجد فيها تلبية لمتطلبات الحياة على بساطتها، أما الآن، وقد ارتبط كل شيء بالكهرباء والطاقة والمواصلات، فعلينا الاستجابة لذلك، والسؤال: “ماذا لو احتجنا لها حقا؟”. يجيب: “ستدفعنا الضرورة إلى فعل الآتي: أولا ننفض سمة التراث عن أدواتنا، وثانيا نعيدها إلى الخدمة، ونحن أمام ذلك نوازن بين الضرورة والاضطرار”.
ويؤكد النوايسة أن القيمتين الثقافية والتاريخية اللتين تحملهما هذه الأدوات تلامسان جذور شجرة الحضارة، بعناية فيها إخلاص واهتمام يصلان إلى حد العشق، ورصد ومعاينة يرتقيان إلى الحنين.
ربط الأجيال اللاحقة بماضي الآباء
وينوه إلى أن في هذه الأدوات بصمات الأولين، وكأننا نسترجع ماضيا جميلا بأهله الطيبين، وهذا ما يظهر حين نجمع هذه الأدوات فترافقنا العمر كله، ونكتب عنها أيضا بشغف وحب، فضلا عن ربط الأجيال اللاحقة بماضي الآباء والأجداد.
ووفق النوايسة، من خلال علاقته الشخصية بهذه الأدوات منذ أكثر من ستين عاما، فإنه يجد متعة لا توصف وهو يستعرض بعضها في بيته، لأنه يرى فيها والده ووالدته، ويطل منها على زمن طويل ممتد من البساطة والطيبة والصفاء ونقاء النفس.
وعن صلته البحثية بهذه الأدوات، يؤكد النوايسة أنها لم تنقطع منذ بدايتها قبل خمسين عاما، وأسفرت عن أبحاث وكتب ومعاجم، وفي كلتا الحالتين فهو متعلق بتراثنا العريق، ذاكر له، وحريص على إطلاع أولاده عليه ونقله إلى الأجيال اللاحقة بأمانة ودقة.
سلوكيات التكيف المجتمعي
بدورها، بينت خبيرة علم الاجتماع فاديا إبراهيم أن عودة الأدوات التراثية في الأزمات، من منظور اجتماعي، تعكس ما يعرف بـ”سلوك التكيف المجتمعي”، حيث يسعى الأفراد إلى استعادة أدوات مجربة وموثوقة في مواجهة ظروف غير مؤكدة.
وتوضح أنه حين تتزعزع الثقة بالأنظمة الحديثة والمتطورة أو تتعرض لضغط، يميل الناس إلى البحث عن بدائل تقليدية أثبتت فعاليتها عبر الزمن.
وتفسر إبراهيم أن هذه العودة تعبر عن اقتصاد الضرورة، حيث تصبح البساطة والاعتماد على الذات قيمة عليا، والأدوات التراثية مثل السراج أو البابور ليست مجرد أدوات، بل تمثل نموذجا لحياة أقل اعتمادا على التعقيد التكنولوجي وأكثر قدرة على الصمود في وجه الأزمات.
وتشير إبراهيم إلى أن دلالة التعلق بالماضي على الشعور بالأمان والاستقرار في هذا السياق لا تعني الهروب من الحاضر، بل محاولة لإعادة إنتاج الشعور بالأمان، فالماضي، كما يختزن في الذاكرة الجمعية، يقدم بوصفه زمنا أكثر استقرارا وبساطة، حتى وإن لم يكن كذلك دائما في الواقع.
الحنين من شعور عاطفي لسلوك عملي
وتضيف إبراهيم أنه عندما يعود الفرد لاستخدام أدوات الأجداد، فهو لا يستعيد وظيفة مادية فقط، بل يستحضر منظومة قيم كاملة؛ الطمأنينة، الاكتفاء، والقدرة على التحمل، فهذه العملية تشكل ما يمكن تسميته بالحنين الوظيفي، حيث يتحول الحنين من شعور عاطفي إلى سلوك عملي يعزز الإحساس بالسيطرة على الواقع.
وتؤكد إبراهيم أن الأثر الاجتماعي على الروابط والهوية المجتمعية لعودة استخدام الأدوات التراثية لا يقتصر على الأفراد، بل يمتد ليؤثر في النسيج الاجتماعي ككل، منوهة إلى أنه يعزز التواصل بين الأجيال، إذ تتحول هذه الأدوات إلى وسيط لنقل القصص والخبرات من الأجداد إلى الأحفاد، وتقول “في لحظة استخدام السراج أو الفانوس، لا تضاء الغرفة فقط، بل تضاء الذاكرة الجماعية”.
أيضا، إعادة تشكيل الهوية المجتمعية، بحسب إبراهيم، حيث يشعر الأفراد بانتماء أعمق إلى جذورهم الثقافية، وفي ظل العولمة والتغيرات السريعة، تصبح هذه العودة نوعا من إعادة التوازن، وتؤكد خصوصية المجتمع وتميزه.
عمق العلاقة بين الإنسان وذاكرته وهويته
وتشير إبراهيم إلى أن مشاركة هذه التجارب مع العائلة والمجتمع تعزز التضامن الاجتماعي، إذ يشعر الأفراد أنهم يتشاركون المخاوف والحلول نفسها، مما يقوي الروابط ويخلق إحساسا جماعيا بالمصير المشترك.
وفي ختام حديثها، تؤكد إبراهيم أنه يمكن القول إن تحول الأدوات التراثية من زينة إلى ضرورة ليس مجرد استجابة ظرفية، بل هو تعبير عن عمق العلاقة بين الإنسان وذاكرته وهويته.
وفي الأزمات، لا يعود الناس فقط إلى ما هو متاح، بل إلى ما يمنحهم معنى الشعور بالأمان، وهنا يتحول التراث من ماض محفوظ في الذاكرة إلى مورد حي يعاد تفعيله، ليؤكد أن ما تركه الأجداد لم يكن مجرد أدوات، بل أنماط حياة قادرة على الاستمرار حين تضيق الخيارات.

 رشا كناكرية/ الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة