السياحة الروسية.. الطيران والتسويق والتأشيرات مفاتيح المنافسة

عمان– يضع الأردن السوق الروسية أمام اختبار جديد لتعزيز حضوره على خريطة السياحة العالمية، مستندا إلى ثلاثة تطورات رئيسية تتمثل في إلغاء التأشيرات المسبقة، وتعزيز الربط الجوي، وتكثيف التسويق المباشر داخل روسيا، في وقت يرى فيه خبراء أن نجاح المملكة في تحويل هذه التسهيلات إلى تدفقات سياحية فعلية يتطلب الانتقال من الحملات الترويجية إلى شراكات تجارية وبرامج سياحية قابلة للحجز.

وتأتي التحركات الأردنية في وقت يسعى فيه القطاع السياحي إلى تنويع الأسواق المصدرة للسياح، فيما تعد روسيا سوقا كبيرة ذات إمكانات نمو، في ظل ارتفاع حركة السياحة الروسية الخارجية، وتنوع اهتمامات السائح الروسي بين الشواطئ والتاريخ والدين والعلاج والاستجمام.
وبحسب بيانات وزارة السياحة والآثار، بلغ عدد السياح الروس إلى المملكة نحو 22.1 ألف سائح خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي، منهم أكثر من 9.3 ألف سائح مبيت، فيما تجاوز عدد زوار اليوم الواحد 12.7 ألف زائر.
3 مفاتيح أردنية لاقتحام السوق الروسية
ويرى خبراء القطاع أن الوصول إلى حصة أكبر من السوق الروسية يتطلب العمل على ثلاثة مسارات متوازية؛ أولها توفير رحلات جوية مباشرة ومنتظمة أو عارضة تلبي الطلب، وثانيها تسويق المنتج الأردني عبر القنوات الأكثر تأثيرا داخل روسيا، وثالثها بناء شراكات مباشرة مع منظمي الرحلات ووكالات السفر الروسية.
ويؤكد رئيس جمعية مكاتب وشركات السياحة والسفر الأردنية، محمود الخصاونة، أن السوق الروسية “مهمة وواعدة”، وأن دخولها يحتاج إلى تقديم المنتجات السياحية الأردنية بصورة مختلفة عن البرامج الكلاسيكية، مع تطوير خدمات وفعاليات قادرة على جذب السائح الروسي.
ويشير الخصاونة إلى أن الطيران يأتي في مقدمة عناصر الخطة، مع التركيز على رحلات الطيران العارض، إلى جانب استهداف القنوات التسويقية المؤثرة من إذاعات وقنوات تلفزيونية ومنصات التواصل الاجتماعي، فضلا عن دعوة كبرى شركات السياحة والسفر الروسية لزيارة الأردن والتعرف على المنتج السياحي وربطها بشركات السياحة الأردنية.
الإعفاء من التأشيرة.. ميزة تنافسية جديدة
ويشكل دخول اتفاقية الإعفاء المتبادل من تأشيرات الدخول حيز التنفيذ نقطة تحول في العلاقة السياحية بين البلدين، إذ بات بإمكان المواطن الروسي زيارة الأردن دون تأشيرة مسبقة لمدة تصل إلى 30 يوما في الزيارة الواحدة.
ويرى القطاع السياحي أن إزالة هذا العائق يمكن أن تعزز تنافسية الأردن أمام الوجهات الأخرى، خصوصا عندما تقترن بسهولة الوصول الجوي وبرامج سياحية واضحة وأسعار تنافسية.
وتعمل وزارة السياحة والآثار على تحويل هذه الميزة إلى عامل جذب فعلي من خلال تعزيز التواصل مع السوق الروسية وقطاعها السياحي، وعدم الاكتفاء بالإعلان عن التسهيلات الجديدة.
وفي هذا الإطار، استعرضت وزارة السياحة والآثار خلال أمسية سياحية أقامتها في موسكو في العاشر من أيلول (سبتمبر) الحالي تطورات الربط الجوي بين البلدين، بما في ذلك الرحلات المباشرة بين موسكو وعمّان، إلى جانب الإعلان عن قرب تشغيل خط مباشر بين موسكو والعقبة.
ويكتسب خط موسكو–العقبة أهمية خاصة للقطاع السياحي، نظرا لإمكانية بناء برامج تركز على السياحة الشاطئية والترفيهية والعائلية، وربطها في الوقت ذاته بوجهات أخرى مثل البحر الميت والبترا ووادي رم.
ويقول نائب رئيس جمعية الفنادق الأردنية، هاني الدباس، إن الربط الجوي المباشر، إلى جانب إلغاء التأشيرات والتسويق داخل روسيا، يمثل أساسا عمليا لأي نمو مستدام في أعداد السياح الروس.
ويشدد الدباس على أن الترويج لا يكفي ما لم يتحول إلى مقاعد طيران وبرامج سياحية قابلة للحجز وشراكات مباشرة مع كبار منظمي الرحلات الروس.
الأردن يسوق “رحلة متعددة التجارب”
ويمتلك الأردن، بحسب خبراء القطاع، ميزة تتمثل في إمكانية جمع أكثر من نمط سياحي في رحلة واحدة.
فالسائح يستطيع الانتقال من البترا وجرش إلى وادي رم، ومن المواقع الدينية إلى البحر الميت والعقبة، إضافة إلى السياحة العلاجية والاستشفائية والمغامرات والطبيعة.
وتشير وزارة السياحة والآثار إلى أن هذه المقومات تشكل عناصر تنافسية للأردن، خصوصا قرب المسافة وسهولة الوصول واعتدال الطقس وتنوع المنتج السياحي.
ويرى الدباس أن هذا التنوع يتقاطع مع اهتمامات شرائح مختلفة من السياح الروس، فيما يمكن للعقبة والبحر الميت أن يشكلا محورين مهمين في البرامج الشتوية، بما يساهم في توزيع الحركة السياحية على مدار العام ورفع الإشغال الفندقي خارج مواسم الذروة.
ولا يقتصر الرهان الأردني على السياحة الشاطئية والترفيهية، إذ تشكل السياحة الدينية أحد المحاور التي يمكن البناء عليها لاستقطاب الزوار الروس.
وخلال اللقاءات في موسكو، جرى تسليط الضوء على موقع معمودية السيد المسيح “المغطس”، والاستعدادات الأردنية لإحياء الذكرى الألفية الثانية لمعمودية السيد المسيح عام 2030.
وتشمل مشاريع تطوير الموقع إنشاء متحف لمعمودية السيد المسيح، وقرية متكاملة للحجاج والزوار، وتطوير البنية التحتية وإنشاء ممر أخضر.
ويرى الدباس أن عام 2030 يمكن أن يشكل فرصة لتطوير برامج دينية وثقافية تمتد لعدة أيام، بدلا من الاقتصار على زيارة موقع واحد، الأمر الذي يمكن أن يرفع مدة الإقامة ومتوسط الإنفاق ويوسع نطاق الاستفادة الاقتصادية من الحركة السياحية.
وفي موازاة التحرك السياحي الرسمي، عزز الأردن التواصل مع وسائل الإعلام الروسية، حيث التقى وزير السياحة والآثار، الدكتور عماد حجازين، مؤخرا وفدا إعلاميا روسيا ضم ممثلين عن قنوات تلفزيونية ووسائل إعلام ومواقع إخبارية.
ويؤكد الخصاونة أهمية الوصول إلى الجمهور الروسي عبر القنوات التي تؤثر في قراراته السياحية، وعدم الاكتفاء بالتسويق التقليدي، إلى جانب تصميم محتوى سياحي باللغة الروسية يركز على التجربة التي سيحصل عليها السائح وليس فقط على المواقع التي سيزورها.
13.4 مليون رحلة روسية إلى الخارج
ويشير الدباس إلى أن حجم السوق الروسية يبرر الاستثمار في استهدافها، موضحا أن الروس سجلوا خلال عام 2025 نحو 13.4 مليون رحلة إلى الخارج لأغراض السياحة، بارتفاع بلغ 15.6 % عن عام 2024.
ويرى أن حجم الحركة الخارجية الروسية يوفر قاعدة واسعة يمكن للأردن استهداف شرائح منها، خصوصا مع توافر منتجات تتناسب مع الطلب على الوجهات الدافئة والشاطئية والتاريخية والدينية والاستشفائية.
ومن بين المقترحات المطروحة لتعزيز الحضور الأردني داخل السوق الروسية، تعيين مكتب تمثيل سياحي في روسيا يتولى خدمة وكلاء السياحة والسفر وتزويدهم بالمعلومات والدعم اللازمين.
وتتمثل أهمية هذه الخطوة في تقريب المنتج الأردني من شركات السياحة الروسية، وتسريع التواصل، وتطوير برامج مشتركة، وتحويل العلاقات السياحية إلى اتفاقيات وحجوزات وحركة زوار فعلية.
ويؤكد الدكتور سليمان الفرجات أن توفير الرحلات الجوية من وإلى موسكو يمثل إحدى أهم الخطوات لاستقطاب السياح الروس، إلى جانب تطوير آليات التسويق والوصول المباشر إلى الجمهور المستهدف.
ويرى الفرجات أن السائح الروسي يحظى باهتمام واسع من وجهات سياحية عديدة، مشيرا إلى أهمية دراسة تطوير برامج سياحية مشتركة مع مصر لجذب السياح الروس إلى البلدين.
كما يشدد على ضرورة توفير بيئة سياحية ملائمة للسائح الروسي، بما يشمل الخدمات والأدلاء السياحيين والبرامج والفعاليات، خصوصا تلك المرتبطة بالسياحة الشاطئية والدينية.
كل سائح روسي يعني سلسلة إنفاق
ولا يرى القطاع الفائدة من السوق الروسية في أعداد الزوار فقط، إذ يؤكد الدباس أن السائح ينعكس إنفاقه على الفنادق والمطاعم والنقل السياحي والأدلاء والمواقع السياحية والتسوق والمنتجات المحلية.
وبالتالي، فإن زيادة حصة الأردن من السوق الروسية يمكن أن تنعكس على عدد من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالسياحة، وعلى فرص العمل والدخل في المجتمعات المحلية.
ويرى الدباس أن التحدي المقبل يتمثل في تحويل التحركات الحالية إلى إستراتيجية طويلة الأمد حتى عام 2030، تتضمن مستهدفات واضحة لنمو أعداد السياح الروس وقياس النتائج بصورة دورية.
وتشمل الأولويات توسيع الرحلات المباشرة، خصوصا إلى العقبة، ودراسة الربط مع مدن روسية رئيسية أخرى وفقا للطلب التجاري، وبناء شراكات طويلة الأمد مع منظمي الرحلات الروس.
كما تشمل تطوير برامج سياحية باللغة الروسية تجمع بين العقبة والبحر الميت والبترا ووادي رم والمغطس وجرش، مدعومة بمحتوى رقمي وإرشادي مخصص للسوق الروسية.

 محمد أبو الغنم/ الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة