الشريدة يكتب : متحف الوهادنة للتراث الشعبي والسردية الأردنية

=

الباحث محمود حسين الشريدة

يقوم مشروع السردية الأردنية على إبراز قصة الأردن بوصفها قصة متصلة عبر الزمن، تمتد من الحضارات القديمة مروراً بالعصور الإسلامية وصولاً إلى الدولة الأردنية الحديثة. وفي هذا الإطار يبرز دور متحف الوهادنة للتراث الشعبي باعتباره شاهداً على جانب مهم من هذه السردية، وهو سردية الإنسان الأردني العادي الذي صنع الحياة في القرى والبوادي والأرياف.

فالمتحف لا يحفظ الأدوات والمقتنيات فحسب، بل يحفظ القصص المرتبطة بها، ويعيد تقديم أنماط الحياة التي عاشها الأردنيون عبر أجيال متعاقبة، بما يعكس قيم العمل والإنتاج والتكافل الاجتماعي والانتماء للأرض.

 

حفظ الذاكرة المحلية بوصفها جزءاً من الذاكرة الوطنية

تؤكد التجارب العالمية أن السرديات الوطنية الكبرى تُبنى من خلال جمع السرديات المحلية الصغيرة وربطها ببعضها البعض. ومن هنا تأتي أهمية متحف الوهادنة الذي يوثق ذاكرة منطقة الشفا وغرب عجلون، بما تحتويه من قرى وخرب ومواقع تاريخية وتراثية.

فكل حجر أثري، وكل اسم مكان، وكل أداة زراعية، وكل حكاية شعبية محفوظة في المتحف، تمثل جزءاً من الذاكرة الوطنية الأردنية الشاملة، وتسهم في توثيق خصوصية المجتمع المحلي ضمن الإطار الوطني العام.

 

توثيق العلاقة بين الإنسان والأرض

من أبرز أبعاد السردية الأردنية إبراز ارتباط الأردني بأرضه عبر التاريخ. ويؤدي المتحف دوراً مهماً في هذا الجانب من خلال توثيق:

الأدوات الزراعية التقليدية.

وسائل تخزين المحاصيل.

أنماط البناء الريفي.

الصناعات المنزلية والحرف اليدوية.

التراث المرتبط بالزيتون والقمح والمياه والينابيع.

وهذه العناصر مجتمعة تروي قصة استقرار الإنسان الأردني في أرضه وتمسكه بها عبر قرون طويلة.

 

تعزيز الهوية والانتماء

يستقبل المتحف طلبة المدارس والجامعات والوفود الثقافية والسياحية، فيتحول إلى مساحة تعليمية تفاعلية تربط الأجيال الجديدة بماضيها. وهذا الدور يسهم في تعزيز الانتماء الوطني وفهم الجذور الثقافية للمجتمع الأردني، وهو أحد الأهداف الرئيسية لأي سردية وطنية.

 

توثيق التراث غير المادي

لا تقتصر أهمية المتحف على المقتنيات المادية، بل تمتد إلى حفظ:

الحكايات الشعبية.

الأمثال والأقوال المأثورة.

الأغاني والأهازيج التراثية.

العادات الاجتماعية.

الموروث المرتبط بالمناسبات الدينية والوطنية.

وهذه العناصر تشكل جانباً مهماً من الشخصية الثقافية الأردنية التي تسعى السردية الوطنية إلى إبرازها وصونها.

 

ربط التراث المحلي بالتاريخ الأردني العام

يتميز متحف الوهادنة بأنه يقع في منطقة غنية بالمواقع التاريخية والتراثية في غرب عجلون، مثل قافصة وكركمة وأهجيجة وأهنيدة وأبو فلاح وسليخات وفقارس وغيرها من المواقع التي تحمل شواهد تاريخية وحضارية متنوعة.

ومن خلال توثيق هذه المواقع والتعريف بها، يربط المتحف التاريخ المحلي بتاريخ الأردن العام، ويقدم نموذجاً عملياً لكيفية مساهمة المجتمعات المحلية في صياغة السردية الوطنية.

 

البعد الحضاري والإنساني

يسهم المتحف في إبراز صورة الأردن بوصفه أرضاً للتنوع الحضاري والتعايش الإنساني، حيث تعاقبت على المنطقة حضارات وثقافات متعددة تركت بصماتها على المكان والإنسان. وبذلك يصبح المتحف نافذة حضارية تعكس عمق التجربة الإنسانية في الأردن عبر العصور.

 

خلاصة

يمكن القول إن متحف الوهادنة للتراث الشعبي لا يمثل مجرد مكان لعرض المقتنيات التراثية، بل يشكل مؤسسة ثقافية وطنية تسهم في بناء السردية الأردنية من خلال حفظ الذاكرة المحلية، وتوثيق التراث المادي وغير المادي، وتعزيز الهوية الوطنية، وربط الإنسان بأرضه وتاريخه وموروثه الحضاري. ومن خلال هذا الدور يصبح المتحف نموذجاً للمبادرات المجتمعية التي تساهم في صون الهوية الأردنية ونقلها للأجيال القادمة، بما ينسجم مع رؤية الأردن في الحفاظ على إرثه الثقافي والحضاري.

 

مؤسس متحف الوهادنة للتراث الشعبي

محمود حسين الشريدة

باحث في التراث الشعبي والتاريخ الاجتماعي

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة