الكبد الدهني.. الوباء الصامت

– تخيل أن يُشخَّص أحدهم بمرض كبدي خطير رغم أنه لا يشرب الكحول ويشعر بأنه في صحة جيدة. هذا السيناريو أصبح أكثر شيوعا مما يعتقد كثيرون، إذ يعاني ملايين الأشخاص حول العالم من الكبد الدهني دون أن يشعروا بأي أعراض.

وبينما يتركز اهتمام الرأي العام على السرطان والسكري وأمراض القلب، يواصل الكبد الدهني انتشاره بصمت، ليصبح أحد أكثر الأمراض المزمنة شيوعا في عصرنا.
ومع ذلك، فإن الكبد الدهني من الأمراض التي يمكن في كثير من الحالات الوقاية منها أو حتى عكس مسارها إذا اكتُشفت مبكرا، وهو ما يجعل الوعي بها أكثر أهمية من أي وقت مضى. يُعرف هذا المرض اليوم باسم “مرض الكبد الدهني المرتبط باضطراب الاستقلاب (الأيض)”.
وقد جاء هذا التغيير ليعكس فهما علميا أكثر دقة لطبيعة المرض، إذ إن المشكلة الأساسية لا تتمثل فقط في غياب استهلاك الكحول، بل في وجود اضطرابات استقلابية تلعب الدور المحوري في نشوء المرض وتطوره.
ويُعرَّف مرض الكبد الدهني المرتبط باضطراب الاستقلاب: بأنه وجود تشحم كبدي، أي تراكم غير طبيعي للدهون داخل الكبد. وعند فحص عينة نسيجية من الكبد (الخزعة)، يُشخَّص التشحم عادة عندما تحتوي أكثر من 5 % من الخلايا الكبدية على قطرات دهنية، وفق ما نشر على موقع “الجزيرة نت”.
ويحدث ذلك، لدى أشخاص لا يعانون من استهلاك للكحول، ولا من التهاب كبدي فيروسي، ولا من أمراض كبدية أخرى معروفة يمكن أن تفسر هذا التراكم، كما لا يكون ناتجا عن أدوية معروفة بأنها تتسبب في تشحم الكبد.
بعبارة أخرى، فإن تشخيص المرض يتطلب وجود دليل على تراكم الدهون في الكبد مع استبعاد الأسباب الأخرى المعروفة لتشحم الكبد، ووجود عامل واحد على الأقل من عوامل الخطر الاستقلابية مثل السمنة، أو السكري من النوع الثاني، أو مقاومة الأنسولين، أو ارتفاع ضغط الدم، أو اضطرابات الدهون في الدم.
ورغم أن وجود كمية صغيرة من الدهون في الكبد أمر طبيعي، إلا أن تراكمها بشكل مفرط قد يؤدي إلى التهاب الكبد وتليفه، وفي الحالات المتقدمة قد يتطور الأمر إلى فشل كبدي أو سرطان الكبد.
تتجلى خطورة هذا المرض في أن معظم المصابين به لا يعلمون أنهم يعانون منه أصلا. الكبد من أكثر أعضاء الجسم قدرة على أداء وظائف معقدة ومتعددة. فهو ينظم عمليات الاستقلاب، ويعالج المغذيات القادمة من الطعام، ويخزن الطاقة، ويتخلص من السموم والمواد الضارة.
لكن هذا العضو يتميز أيضا بقدرة كبيرة على تحمل الضرر، إذ يمكن أن يتعرض لتلف تدريجي لسنوات طويلة قبل أن تظهر أي أعراض واضحة. ولهذا السبب يُطلق على الكبد الدهني أحيانا، اسم “المرض الصامت”. فكثير من المرضى يكتشفون إصابتهم به مصادفة أثناء إجراء فحوصات للدم أو تصوير بالأمواج فوق الصوتية لأسباب لا علاقة لها بالكبد.
وتشير التقديرات العالمية، إلى أن نحو شخص من كل أربعة بالغين (ثلاثة في بعض المناطق مثل الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية)، قد يكون مصابا بدرجة ما من الكبد الدهني، ما يجعله من أكثر أمراض الكبد المزمنة انتشارا في العالم. وقد ساهمت الزيادة الكبيرة في معدلات السمنة والسكري من النوع الثاني وقلة النشاط البدني والأنماط الغذائية غير الصحية، في تغذية هذه الموجة المتصاعدة من الإصابات.
ولا تقتصر خطورة الكبد الدهني على المضاعفات التي تصيب الكبد فحسب، بل تمتد إلى كونه أحد الأسباب الرئيسية لزراعة الكبد في العديد من دول العالم.
الكبد الدهني ليس مجرد مرض يصيب الكبد فحسب. فالباحثون ينظرون إليه اليوم باعتباره أحد مظاهر الخلل الاستقلابي الذي يصيب الجسم بأكمله. فالمصابون بالكبد الدهني أكثر عرضة للإصابة بالسكري من النوع الثاني، وأمراض القلب والأوعية الدموية وأمراض الكلى المزمنة وغيرها، من الاضطرابات الاستقلابية.
وتشير الدراسات، إلى أن ما بين 10 % و20 % من المصابين بالكبد الدهني قد يكونون من ذوي الوزن الطبيعي، وهي ظاهرة تعرف أحيانا باسم الكبد الدهني لدى من يعانون النحافة. ولهذا السبب، قد يفاجأ بعض الأشخاص بتشخيص الكبد الدهني رغم أنهم لا يعانون من السمنة.
رغم خطورة المرض، إلا أن الخبر السار يتمثل في أن الكبد الدهني قابل للعلاج، بل وقد يكون قابلا للشفاء في مراحله المبكرة. وتُظهر الدراسات أن فقدان ما بين 7 % و10 % من وزن الجسم. وخاصة على مستوى الخصر، حيث تتراكم الدهون الحشوية الخطيرة، يمكن أن يؤدي إلى انخفاض كبير في كمية الدهون داخل الكبد وتحسن الالتهاب.
أما نقصان الوزن بنسبة كبيرة، فقد يساعد على عكس بعض درجات التليف لدى بعض المرضى. كما يساهم النشاط البدني المنتظم في تحسين حساسية الجسم للأنسولين وتقليل الدهون الكبدية، حتى في حال كان فقدان الوزن محدودا.
ومن الناحية الغذائية، تشير الأدلة العلمية إلى أن الأنماط الغذائية المتوازنة مثل الحمية المتوسطية الغنية بالخضراوات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة، والأسماك وزيت الزيتون ترتبط بتحسن صحة الكبد.
ورغم هذه التطورات، أكد الخبراء أن الوقاية تظل السلاح الأكثر فعالية في مواجهة هذا الوباء الصامت. ولعل أكبر تحد يواجه الأطباء وأنظمة الرعاية الصحية اليوم، هو أن الكبد الدهني ما يزال أقل شهرة وتشخيصا مقارنة بأمراض مزمنة أخرى. فكثير من الناس يراقبون ضغط الدم أو مستوى السكر والكولسترول، لكنهم نادرا ما يفكرون في صحة الكبد.
التحدي الأكبر، يكمن في أن معظم المصابين لا يشعرون بأي أعراض، خاصة في المراحل الأولى. لذلك يوصي الخبراء الأشخاص الذين يعانون من السمنة أو السكري من النوع الثاني أو ارتفاع الدهون في الدم أو ارتفاع ضغط الدم، بمناقشة خطر الإصابة بالكبد الدهني مع الطبيب وإجراء الفحوصات المناسبة عند الحاجة.
وأكد المختصون أن الكشف المبكر عن المرض، يمنح فرصة ثمينة للتدخل قبل حدوث التليف أو المضاعفات.
وفي ظل الارتفاع المتواصل لمعدلات السمنة والسكري عالميا، قد لا يكون السؤال هو كم عدد المصابين بالكبد الدهني اليوم، بل كم عدد الذين يحملون المرض من دون أن يعلموا بذلك. ومن هنا، تبدأ المعركة الحقيقية: بالوعي، والوقاية، والكشف المبكر، قبل أن يتحول هذا الوباء الصامت إلى أحد أكبر أعباء الصحة الفردية والعامة.

وكالات

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة