المدرسة التي تملأ الذاكرة وتترك الروح فارغة// عمر الدريني

ليس أصعب على المدرسة من أن تنجح في تعليم الطالب كيف يجيب عن السؤال، ثم تفشل في تعليمه كيف يصنع السؤال.
فبين جدران الصفوف، تُملأ الدفاتر، وتُحفظ القواعد، وتُستظهر التعريفات، وتُجمع الدرجات، وتُعلّق النتائج على الجدران، ثم يأتي السؤال الذي نادرًا ما نطرحه: ماذا بقي من كل ذلك حين أغلق الطالب كتابه وغادر المدرسة؟
تستوقفنا الصورة القرآنية العميقة في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾؛ وهي صورة تجعلنا نتأمل الفرق الهائل بين حمل الكتاب وحمل معناه، وبين امتلاك المعلومة وامتلاك القدرة على تحويلها إلى وعي.
وليس المقصود أن المعرفة قليلة القيمة، بل العكس تمامًا؛ إنما الخطر يبدأ عندما تتحول المعرفة إلى حمل ثقيل لا يغير صاحبه.
قد يخرج الطالب من المدرسة وهو يحفظ مئات الصفحات، لكنه لا يعرف كيف يتعامل مع اختلاف الرأي، وقد يحصد العلامة الكاملة في مادة التربية الأخلاقية، ثم يفشل في احترام زميله، وقد يحفظ تعريف التعاون، لكنه لا يعرف كيف يتعاون، وقد يتحدث عن الصدق في الامتحان، ثم يجد لنفسه ألف مبرر للكذب في الحياة.
هنا تظهر المشكلة الحقيقية.
المدرسة ليست مستودعًا للمعلومات، والطالب ليس وعاءً للحفظ.
المدرسة في جوهرها مساحة لصناعة الإنسان.
وإذا كانت التربية الحديثة تتحدث عن التفكير النقدي، وحل المشكلات، والإبداع، والتواصل، والعمل الجماعي، فإن هذه المفاهيم لا ينبغي أن تبقى شعارات معلقة على جدران المؤسسات التعليمية؛ بل يجب أن تتحول إلى ممارسات يومية يعيشها الطالب داخل الصف وخارجه.
المعلم الذي يشرح للطالب معنى الاحترام ثم يمارسه أمامه، يعلّم أكثر مما تستطيع عشرات الصفحات أن تعلمه.
والمدرسة التي تعطي الطالب فرصة لأن يخطئ ويتعلم من خطئه، قد تمنحه درسًا لا تنساه الذاكرة.
والصف الذي يسمح بالسؤال والمناقشة والحوار، يبني عقلًا لا يخاف من التفكير.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للتعليم أن يتحول النجاح فيه إلى قدرة على اجتياز الامتحان فقط.
فالامتحان ينتهي في ساعة، لكن أثر التعليم يفترض أن يمتد طوال العمر.
نحن لا نحتاج طالبًا يعرف الإجابة فحسب؛ نحتاج إنسانًا يعرف متى يسأل، ولماذا يسأل، وكيف يتحقق، ومتى يقول: لا أعرف، ثم يبدأ رحلة البحث.
نحتاج طالبًا إذا رأى مشكلة لم ينتظر من يلقنه الحل، بل حاول أن يفكر فيه.
وإذا اختلف مع غيره، لم يحوّل الاختلاف إلى خصومة.
وإذا أخطأ، امتلك شجاعة الاعتراف.
وإذا نجح، عرف أن النجاح مسؤولية لا امتيازًا.
وهنا ينبغي أن تعيد المدرسة تعريف مفهوم التفوق.
فليس المتفوق هو من يحفظ أكثر فحسب، وإنما من يفهم أكثر، ويفكر أعمق، ويتصرف أفضل، ويترك أثرًا أجمل.
إننا حين نملأ ذاكرة الطفل ونترك روحه فارغة، نكون قد أنجزنا نصف المهمة وتركنا نصفها الأخطر.
فالمعلومة التي لا توقظ الضمير قد تتحول إلى أداة، والذكاء الذي لا يرافقه خلق قد يصبح وسيلة للإيذاء، والمعرفة التي لا تصنع مسؤولية قد تزيد قدرة الإنسان على الخطأ بدل أن تزيد قدرته على الصواب.
لهذا ينبغي أن يكون السؤال الحقيقي في نهاية كل درس:
ليس: كم حفظ الطالب؟
بل: ماذا فهم؟ ماذا شعر؟ ماذا تغير فيه؟ وماذا يستطيع أن يفعل الآن ولم يكن يستطيع فعله قبل الدرس؟
إن أفضل مدرسة ليست تلك التي تخرج أكبر عدد من الحافظين، بل تلك التي تخرج أكبر عدد من الإنسان الذين يعرفون كيف يستخدمون ما تعلموه في خدمة أنفسهم ومجتمعهم والإنسانية.
وحينها فقط لا يكون الكتاب حملًا على الظهر، بل نورًا في الطريق.

