المصح السياسي… عندما تتحول المناصب السابقة إلى وصاية على الحاضر. د.باسم القضاة

ربما آن الأوان لأن نفكر في إنشاء ما يمكن أن نسميه «المصح السياسي»؛ تجمع افتراضي يضم كل من شغل منصباً حكومياً أو وزارة أو رئاسة جامعة، ثم تجاوز السبعين، ليس انتقاصاً من العمر أو الخبرة، وإنما رغبة في الحد من بعض الظواهر التي أصبحت تتكرر بصورة مزعجة في المشهد العام.
فبين حين وآخر نسمع تصريحات سياسية غريبة، وتحليلات لا تخلو من المبالغة، وآراء تصطدم أحياناً بالواقع، تصدر عبر لقاءات تلفزيونية أو صفحات التواصل الاجتماعي، وكأن بعض المسؤولين السابقين ما زالوا يعيشون لحظة وجودهم في المنصب، وكأن مغادرة الكرسي لم تُنهِ حقهم في إصدار التعليمات وتحديد ما يجب أن تفعله الدولة وما لا يجب أن تفعله.
المفارقة أن بعض هؤلاء عندما كانوا في مواقع المسؤولية لم نرَ في مؤسساتهم ذلك التغيير الكبير الذي يتحدثون عنه اليوم.
لم نرَ برامج ثورية، ولا إصلاحات استثنائية، ولا حلولاً سحرية للمشكلات التي يكتشفونها الآن بعد مغادرتهم مواقعهم.
وهنا يبرز سؤال مشروع:
إذا كانت كل هذه الأفكار الإصلاحية موجودة لديهم، فلماذا لم تُطبق عندما كانت مفاتيح القرار بأيديهم؟
لماذا لم يطوروا القطاع العام عندما كانوا جزءاً من السلطة التنفيذية؟
ولماذا لم يغيروا المؤسسات التي ترأسوها؟
ولماذا لم يقدموا النماذج التي ينادون بها اليوم؟
المشكلة ليست في أن يتحدث المسؤول السابق أو يقدم رأياً؛ فمن حق كل مواطن أن يعبر عن رأيه، ومن حق صاحب الخبرة أن يقدم تجربته للأجيال الجديدة.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الخبرة السابقة إلى وصاية دائمة على الدولة، وعندما يصبح المنصب القديم شهادة صلاحية سياسية مفتوحة إلى ما لا نهاية.
هناك مسؤولون غادروا مواقعهم وتركوا وراءهم مؤسسات أكثر قوة وتطوراً، وبرامج واضحة، وإنجازات يمكن قياسها. هؤلاء يستحقون أن نستمع إليهم، لأن تجربتهم تتحدث عنهم.
وهناك آخرون غادروا مواقعهم ولم يتركوا سوى الذكريات، ثم عادوا بعد سنوات ليقدموا أنفسهم باعتبارهم خبراء في كل شيء: في الاقتصاد، والسياسة، والإدارة، والتعليم، والإصلاح، وتطوير القطاع العام!
وهنا لا بد من التفريق بين من يملك الخبرة ومن يملك مجرد لقب سابق.
فالوزير السابق ليس بالضرورة خبيراً في كل شؤون الدولة، ورئيس الجامعة السابق ليس بالضرورة مرجعاً في إصلاح التعليم، ومن شغل منصباً عاماً لسنوات ليس بالضرورة أكثر فهماً من المسؤول الذي يعمل اليوم في الميدان.
الدولة لا تتقدم بكثرة أصحاب المناصب السابقة، وإنما بكفاءة أصحاب القرار الحاليين، وبقدرتهم على التعلم من التجارب السابقة وتجاوز أخطائها.
لذلك، ربما نحتاج إلى ثقافة جديدة تقول للمسؤول السابق بكل احترام:
شكراً على ما قدمت، وسنستفيد من تجربتك، لكن الزمن تغير، والواقع تغير، والقرار اليوم بيد جيل جديد عليه أن يتحمل مسؤوليته.
أما أن يتحول كل مسؤول سابق إلى «مفتٍ سياسي» يحدد للدولة ما يجوز وما لا يجوز، وما ينبغي وما لا ينبغي، فهذا أمر يحتاج إلى مراجعة.
فالمنصب العام ليس ملكية خاصة، ولا شهادة دائمة تمنح صاحبها حق الوصاية على الأجيال اللاحقة.
وفي النهاية، معيار الحكم الحقيقي على أي مسؤول يجب أن يكون بسيطاً جداً:
ماذا فعل عندما كان يملك القرار؟ وماذا ترك خلفه عندما غادر؟
أما الكلام بعد مغادرة المنصب، فهو سهل…
والأصعب دائماً أن يكون لديك قرار، وسلطة، ووقت، وميزانية، ثم تستطيع أن تصنع فرقاً حقيقياً.

