المقاومة تكبد الاحتلال أطول حرب وأكثرها تكلفة في تاريخه

شكلت معركة “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر/تشرين الأول، وما تبعها من حرب استمرت عامين، صدمة كبيرة للاحتلال على المستويات العسكرية والاقتصادية. فبحسب تقديرات وزارة الخزانة الإسرائيلية؛ بلغت تكلفة الحرب نحو 277 مليار شيكل، بينما قدّر “بنك إسرائيل” أنها تصل إلى 352 مليار شيكل.
وأوضح الكاتب الإسرائيلي سامي بيريتس في مقالة نشرتها صحيفة “هآرتس” العبرية أن التكلفة الحقيقية قد تتجاوز تريليون شيكل عند احتساب النفقات المباشرة وغير المباشرة والمستقبلية، بما في ذلك المساعدات الأمريكية والفوائد على الدين الوطني.
ولم تكن ميزانية الدفاع السنوية البالغة 112 مليار شيكل كافية لتغطية المهام الأمنية، وهو ما أكد عليه المدير العام لوزارة الحرب الإسرائيلي. وبحسب بيريتس؛ فإن الفجوة بين الميزانية المخططة والإنفاق الفعلي تضاعفت منذ اندلاع الحرب لتصل إلى عشرات المليارات، ما يعكس حجم الصدمة الاقتصادية التي سببتها الأحداث.
ولعبت المقاومة الفلسطينية الدور المركزي في تكبيد الاحتلال هذه الخسائر الكبيرة، ليس فقط من خلال الهجمات المباشرة على الجنود والمدنيين، بل أيضًا عبر إجبار الدولة على إعادة ترتيب أولويات ميزانيتها بشكل مفاجئ. ففي اليوم الأول من الهجوم، قتل نحو 1200 شخص واختُطف 251 مدنيًا وجنديًا، وهو ما دفع الكيان لاستدعاء قوات الاحتياط وشراء أنظمة دفاع عاجلة، وزيادة الإنفاق العسكري الطارئ، بحسب بيريتس.
لكن الأثر الحقيقي للمقاومة يتجاوز الجانب العسكري. فقد أجبرت عمليات المقاومة الكيان على دفع تعويضات ضخمة للشركات والمباني المتضررة، وزيادة النفقات على الرعاية الصحية والنفسية للمواطنين، حيث يحتاج ثلاثة ملايين إسرائيلي إلى علاج نفسي نتيجة الصدمة.
ويُظهر هذا الضغط الاقتصادي والاجتماعي كيف يمكن للمقاومة أن تؤثر على ميزانية الكيان وسياسته الداخلية، ما يجعل من الحرب عبئًا طويل الأمد على الاقتصاد الإسرائيلي.
علاوة على ذلك؛ كشف “طوفان الأقصى” أن المقاومة نجحت في استغلال نقاط الضعف في التخطيط الإسرائيلي، مما أدى إلى زيادة الاعتماد على الاقتراض والمساعدات الخارجية، وتغيير أولويات الميزانية على حساب التعليم والخدمات الاجتماعية والبنية التحتية، ما يؤكد قدرة المقاومة على إعادة تعريف تكاليف الحرب بالنسبة للاحتلال، وتحويل ما كان يُفترض أن يكون حملة عسكرية قصيرة إلى أزمة مالية مستمرة.
وتركت الحرب آثارًا طويلة المدى على ميزانية الاحتلال، حيث من المتوقع أن ترتفع ميزانية “الدفاع” السنوية بنحو 50 مليار شيكل خلال السنوات القادمة، بحسب تحليل بيريتس، وهو ما يضع ضغوطًا مستمرة على الموارد المالية للدولة، حيث إن ارتفاع فوائد الدين الوطني والاعتماد على الاقتراض يزيد من عبء الحرب على الاقتصاد، ويؤثر على الأجيال القادمة.
وحتى المساعدات الأمريكية، رغم أهميتها في التخفيف المؤقت للأعباء؛ تُحسب ضمن النفقات الفعلية للحرب، ما يجعل “إسرائيل” تعتمد جزئيًا على التمويل الخارجي. وتشير الأرقام إلى أن هذه الأزمة الاقتصادية لن تنتهي بمجرد توقف القتال، بل ستظل مستمرة لعقد كامل، مؤثرة على التعليم والخدمات الاجتماعية والبنية التحتية.
ويمكن القول إن المقاومة الفلسطينية نجحت في خلق تكاليف متعددة الأبعاد: تكاليف عسكرية مباشرة، أضرار اقتصادية، تكاليف اجتماعية ونفسية، وتداعيات مستقبلية على الميزانية الوطنية، وهو ما يعكس قدرتها على فرض معادلة جديدة على الاحتلال لا يمكن معالجتها فقط بالحلول العسكرية.

