الملك الحسين بن طلال … ذاكرة وطن وحضور لايغيب // محمد متعب الفريحات

في ذلك اليوم 7 شباط من عام 1999 لم يكن الحزن خبرا عابرا، بل حالة عامة اجتاحت البلاد. شعر الأردنيون أن شيئا ثقيلا قد حل في المكان، وأن الفقد تجاوز حدود الكلمات. غاب جسد الملك الحسين بن طلال، لكن حضوره بقي متجذرا في الوجدان، حاضرا بصمته وبأثره وبالذاكرة التي لم تعرف له بديلا.
سكن الصمت البيوت والشوارع، صمت لم يكن هدوءا، بل ذهولا جماعيا. دمعت العيون بلا ترتيب، وبكى الوطن على مهل، بلا ضجيج ولا شعارات. لم يكن ذلك اليوم يوما عاديا في تاريخ الأردن، بل لحظة فاصلة أدرك فيها الأردنيون أن رجلا استثنائيا قد غادر المشهد، تاركا فراغا يصعب تجاوزه.
لم ينظر إلى الملك الحسين بوصفه ملكا فقط، بل إنسانا قريبا من الناس. لم تفصله عنهم الألقاب ولا البروتوكولات. كان حضوره بسيطا في شكله، عميقا في أثره، وهو ما جعل العلاقة بينه وبين شعبه تتجاوز السياسة إلى الثقة، وتتجاوز السلطة إلى الانتماء.
قاد الملك الحسين الأردن في مراحل شديدة التعقيد، حين كانت المنطقة تضج بالأزمات، وحين كان الحفاظ على الدولة إنجازا بحد ذاته. بحكمة وبعد نظر، اتخذ قرارات صعبة في أوقات أصعب، فنجح في عبور محطات كادت أن تعصف بالوطن، محافظا على توازنه واستقراره وسط أحداث قاسية.
لم تأت مكانة الملك الحسين الدولية من فراغ. نال احترام العالم لأنه كان قارئا جيدا للأحداث، وصاحب موقف واضح، وحضورا لا يمكن تجاهله. وحين رحل، لم يكن وداعه شأنا محليا، بل حدثا عالميا، تجسد في جنازة غير مسبوقة حضرها قادة الدول، وحتى من اختلفوا معه، احتراما لانسان ترك بصمته في زمن مضطرب.
لم تكن جنازة القرن للملك الحسين مشهدا بروتوكوليا جامدا، بل لحظة إنسانية كثيفة الدلالة. وجوه شاحبة، صمت ثقيل، ومشاعر صادقة، حتى حصانه بدا كأنه يدرك حجم الفقد. مشهد اختصر علاقة قائد بوطنه، علاقة لم تبن على الخوف، بل على القرب والاحترام.
سار الملك الحسين بالأردن إلى بر الأمان في أصعب الظروف، ورحل وهو يعلم أن الدولة التي بناها قادرة على الاستمرار. ترك خلفه وطنا متماسكا، ومؤسسات قائمة، وذاكرة وطنية لا تنفصل عن اسمه.
في ذكرى رحيله المؤلم، لا يقف الأردنيون عند لحظة الفقد، بل عند السؤال الأعمق، ماذا يعني أن يرحل قائد ويبقى الوطن واقفا. الملك الحسين بن طلال غاب جسدا، لكنه ترك بلدا يعرف كيف يصمد، وكيف يتماسك، وكيف يعبر الأوقات الصعبة. القادة كثر، لكن القليل فقط يرحلون وهم مطمئنون أن الوطن بعدهم لن يسقط. والملك الحسين بن طلال كان واحدا من هؤلاء.

