الميراث برؤية اقتصادية / احمد غزالة

 

أصدقائي القراء في الوطن العربي ، يسعدني التواصل معكم مجدداً في محاولة جديدة للإبحار في الأعماق الاقتصادية لشريعتنا الإسلامية الغراء لنتعرف سوياً على ما تفيض علينا به من إبداعات اقتصادية تؤكد لنا على شمولية الإسلام لكافة جوانب الحياة ومنها الجانب الاقتصادي الذي أقف عنده كثيراً ككاتب في الفكر الاقتصادي لأتعلم منه كل يوم ثم أجتهد قدر استطاعتي لنقل ذلك لقرائي من خلال الوسائل الإعلامية المختلفة في محاولة متواضعة لإضاءة شمعة في طريق الفكر الاقتصادي عامةً ، وفكر الاقتصاد الإسلامي خاصةً ، وأتناول معكم هنا في هذا المقال نظام الميراث في الإسلام ، وعندما نقرأ كلمة الميراث دائماً يتبادر إلى أذهاننا دائماً القضايا الشرعية وأن الموضوع سيتناول حديثاً فقهياً، ولكن الأمر هنا سيختلف قليلاً لأنني سأتناول نظام الميراث وأنا أرتدي عباءة رجل الاقتصاد وليست عباءة رجل الدين، وليس ذلك تقليلاً من أهمية الجانب الفقهي لنظام الميراث ، ولكن لقد تناول كُتاب الفكر الإسلامي هذا الجانب بكتابات عديدة لم يحظى بها الجانب الاقتصادي لنظام الميراث ، وهذا يدفعنا ككتاب اقتصاديين لتوجيه أقلامنا لتسليط الضوء على هذا الجانب ، فنظام الميراث انفردت به شريعتنا الإسلامية الغراء وتميزت به عن باقي الشرئع السماوية وكافة النظم الوضعية ، فنحن هنا أمام نظاماً ربانياً وقانوناً إلهياً ، فالله عز وجل هو الذي وضع لنا أحكام المواريث بذاته ، ولم يترك فيها المجال لاجتهادات البشر ، فقد جاء القرآن الكريم بتفصيلها بمنتهى الدقة سواء في تحديد الورثة أو أنصبتهم ، ولا يتوقف الإبداع لهذا النظام المالي على هذا الحد بل إن جانبه الاقتصادي يحمل العديد من أوجه الإعجاز ، وبرغم هذا التميز الاقتصادي لنظام المواريث إلا أنه لم يسلم من الافتراءات والادعاءات الكاذبة من أعداء الإسلام وبخاصة المستشرقين الذين ادعوا كذباً بأن نظام الميراث الإسلامي يدمر الاقتصاد ، وهذه فرية كاذبه نستطيع أن نواجهها بكل قوة انتصاراً لشريعتنا الإسلامية الغراء ، فكان من افتراءات المستشرقين وغيرهم من المشككين بأن الميراث يحمل نوعاً من عدم تكافؤ الفرص ؛ حيث أنه كسب بلاجهد ولا عمل ، ولكن يمكن مواجهة هذا الافتراء بأنه ليس بالضرورة في كل الأحوال أن يتولد المال من العمل ، لأن المال الذي يتملكه المورث حتى وإن كان حصل عليه من جهد وعمل فإن توفيق الله له هو أساس كسبه لهذا المال والدليل أنه يمكن أن يمارس شخصان جهداً معيناً في استثمار معين ويبذلان نفس المجهود بينما تأتي الأرباح متفاوتة تماماً بل قد يخسر أحدهما ويكسب الآخر بالرغم من أن الخاسر يمكن أن يكون بذل نفس الجهد والتعب ولكن دائماً لله حكمة في أقداره وقد يبتلي الإنسان في ماله ، وهذا يؤكد على حقيقة بأن الله عز وجل هو المالك المطلق لهذا المال بينما تأتي ملكية المورث له على سبيل الاستخلاف من الله عز وجل ، ويؤكد ذلك قول الله عز جل في سورة الحديد (وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فيه )

، ومن هنا فبموت المورث ينعدم استخلافه في المال و ينتقل المال من المالك الأصلي وهو الله عز وجل لمستخلفين جدد وهم الورثة، وأيضاً من الافتراءات الاقتصادية الكاذبة على نظام الميراث الإسلامي أنه يؤدي إلى تفتييت الثروات والقضاء على ميزة الإنتاج الكبير ، إلا أنه يمكن مواجهة هذا الافتراء بأنه وإن كان ظاهرياً نظام الميراث يؤدي إلى تحويل  الكيانات الاقتصادية الكبيرة إلى عدة كيانات أقل ، فإن في شريعتنا الإسلامية الغراء درء المفاسد مقدم على جلب المنافع ، وإن تركيز الثروة في كيانات اقتصادية كبيرة  وانفرادها بها وإن كان يحقق منافع فإنه يمكن أن يكون له أضرار تفوق تلك المنافع مثل ظهور الاحتكار وما يترتب عليه من مشاكل اقتصادية خطيرة مثل ارتفاع الأسعار وزيادة معدلات التضخم ، كما أننا يمكننا أيضاً أن نواجه هذا الإفتراء الكاذب  على شريعتنا الإسلامية الغراء بأنه لا يشترط في جميع حالات الميراث أن يتم تفتيت الكيانات الاقتصادية الكبيرة  إلى كيانات صغيرة متعددة لأن هناك حلولاً بديلة حيث أنه لو كان سيترتب على توزيع المؤسسات الاقتصادية الكبيرة من خلال  الميراث ضرراً اقتصادياً ، فيمكن هنا للورثة أن يتم دخول مساهمين جدد للمشروع واختيار إدارة جديدة للمشروع بواسطة المساهمين ، ويتم توزيع العائد بنفس نسب أسهم الورثة ، ويمكن أيضاً تطبيق نظام التخارج مع الحفاظ على التوزيع العادل للثروة ، وقد نص فقهاء المالكية على شركة الإرث الذي تتكون منخلال اجتماع الورثة في الملكية لعين معينة  عن طريق الميراث ، ولا يتوقف الإبداع الاقتصادي لنظام الميراث في الإسلام عند هذا الحد ، ولكن تتعدد إبداعاته الاقتصادية والتي قد تصل إلى درجة الإعجاز الاقتصادي ، ولكن لا يتسع المقام هنا لمزيد من التوسع ، وإلى اللقاء مع القارىء الكريم في كتابات لاحقة إن شاء الله .

 

احمد غزالة – مصر

كاتب وخبير اقتصادي

3 تعليقات

  1. سمير عوده يقول

    بارك الله فيك بالتوفيق انشاء الله

  2. حماده الدالي يقول

    بارك الله فيك وأن شاء الله نقرأ منك المزيد قريبا

  3. حماده الدالي يقول

    بارك الله فيك وان شاء الله نقرأ منك المزيد

التعليقات مغلقة.

مقالات ذات علاقة