“الناقل الوطني”.. طفرة تشغيلية وتنموية في الجنوب

يشكل مشروع الناقل الوطني للمياه رافعة تنموية متكاملة تراهن عليها الدولة لإحداث أثر اقتصادي واجتماعي واسع، خصوصا في محافظات الجنوب، من خلال خلق فرص عمل نوعية، وتأهيل الكفاءات الوطنية، وتعزيز مساهمة الشباب في تنفيذ مشروع يعد الأكبر في تاريخ قطاع المياه بالمملكة.

وبينما تتجه الأنظار إلى مشروع الناقل الوطني باعتباره الحل الإستراتيجي لتعزيز الأمن المائي في الأردن، تتكشف في العقبة أبعاد تنموية أخرى للمشروع، الذي بدأ يرسم ملامح مرحلة جديدة يكون فيها الاستثمار في الإنسان الأردني جزءا أصيلا من منظومة الاستثمار في البنية التحتية.
وكان مجمع العقبة الوطني للتدريب المهني استضاف اجتماعا تنسيقيا ضم ممثلين عن وزارتي المياه والري والشباب، بالتعاون مع الشركة الوطنية للتشغيل والتدريب، لبحث آليات إطلاق برنامج وطني لتأهيل الكوادر الأردنية للعمل في مراحل تنفيذ وتشغيل مشروع الناقل الوطني، ضمن برنامج يحظى بدعم وتمويل من حكومة الولايات المتحدة الأميركية، ويستهدف بناء قدرات فنية ومهنية قادرة على تلبية احتياجات المشروع، بما يضمن أن تكون العمالة الوطنية شريكا رئيسيا في تنفيذ أحد أبرز المشاريع الإستراتيجية التي تشهدها المملكة.
وانصبت النقاشات على بلورة آليات تنفيذية دقيقة لبرنامج التأهيل المهني والفني، بما يضمن تسليح الشباب بالمهارات المتخصصة التي تتواءم مع المتطلبات الهندسية والفنية المعقدة لمشروع الناقل الوطني، بحضور وزير المياه والري رائد أبو السعود، ووزير الشباب رائد العدوان، ومدير عام الشركة الوطنية للتشغيل والتدريب العميد الركن أنور الخالدي.
وأكد أبو السعود أن مشروع الناقل الوطني يتجاوز في أبعاده كونه مجرد حل إستراتيجي لتعزيز الأمن المائي في ظل التحديات المناخية، ليمثل فرصة ذهبية واستثمارا حقيقيا في رأس المال البشري الأردني الذي يعد الثروة الأغلى للوطن، من خلال إعداد وتخريج كوادر وطنية مسلحة بالمعرفة والمهارات الفنية اللازمة لتنفيذ وإدارة المشروع وفق أرقى المعايير الدولية المعتمدة.
ولم يغفل أبو السعود عن الإشارة إلى الأهمية القصوى التي توليها الوزارة لتمكين الشباب الأردني وفتح أبواب الفرص أمامهم للاستفادة القصوى من آلاف فرص العمل التي سيولدها هذا المشروع الضخم، مبينا أن هذه الخطوات ستنعكس بإيجابية مطلقة على مسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في محافظات المملكة كافة، وتحديدا في مناطق الجنوب، في حين أوضح أن هذا البرنامج يمثل نموذجا يحتذى به للشراكة الفاعلة بين القطاعين العام والخاص والشركاء الدوليين.
بناء قدرات وطنية
كما أكد أبو السعود أن هذا التعاون الوثيق مع حكومة الولايات المتحدة الأميركية يسهم بشكل مباشر في بناء قدرات وطنية مستدامة قادرة على مواكبة التطورات التكنولوجية، ويرفع من مستوى تنافسية القوى العاملة الأردنية في سوق العمل المحلي والإقليمي، ويدعم تنفيذ مشروع الناقل الوطني بأعلى درجات الجودة والكفاءة والاحترافية.
من جهته، أكد العدوان أن هذا البرنامج التدريبي المتخصص يترجم على أرض الواقع الرؤى الملكية السامية الداعية إلى وضع الشباب في صلب عملية التنمية، ويعزز من مشاركتهم الفاعلة في البرامج والمشاريع الوطنية الكبرى، مجسدا في الوقت ذاته التزام الحكومة الراسخ بتنفيذ مخرجات رؤية التحديث الاقتصادي التي تؤكد ضرورة ربط مخرجات التدريب بالفرص الفعلية المتاحة في سوق العمل.
وأوضح أن وزارة الشباب تنظر إلى مشروع الناقل الوطني بوصفه رافعة وطنية وإستراتيجية تشكل فرصة استثنائية لتطوير الكفاءات الوطنية الشابة، وتهيئة الجيل الجديد للمشاركة بقوة في مسارات العمل المتنوعة المرتبطة بالمشروع، مشيرا إلى أن الوزارة تسابق الزمن لتوسيع شبكة شراكاتها مع جميع الجهات الوطنية ذات العلاقة، وتسخير المراكز والمنشآت الشبابية المنتشرة في المحافظات لتكون حواضن انطلاق للشباب.
وثمن العدوان الشراكة التكاملية في تنفيذ البرنامج التدريبي الذي يفتح نوافذ واسعة للشباب للحصول على فرص تدريب وتشغيل نوعية في قطاع المياه والمهن الفنية والهندسية المعقدة، إلى جانب ما يوفره هذا الحراك التنموي من آفاق أرحب لتمكين المرأة الأردنية وتعزيز دورها الاقتصادي، والنهوض بالمجتمعات المحلية اقتصاديا واجتماعيا لتكون شريكا حقيقيا في عوائد التنمية.
بدوره، أكد الخالدي اعتزاز الشركة العميق بالدور المحوري الذي تضطلع به في تنفيذ برنامج تأهيل الكوادر الوطنية، وذلك من خلال تصميم وتقديم برامج تدريبية متخصصة تحاكي أعلى المعايير المهنية العالمية، بما يسهم في رفد المشروع بكوادر وطنية مؤهلة قادرة على تلبية الاحتياجات الدقيقة للعمل، ويعزز من مساعي تشغيل الشباب الأردني بكفاءة واقتدار.
ومشروع الناقل الوطني، الذي سيبدأ من شواطئ العقبة ليمتد عبر محافظات الجنوب وصولا إلى العاصمة ومحافظات الشمال، يمثل محركا اقتصاديا جبارا، حيث إن البدء في عمليات التدريب والتأهيل يعني إطلاق شرارة النشاط الاقتصادي في إقليم الجنوب الذي يزخر بالطاقات الشابة الباحثة عن فرص تثبت من خلالها قدرتها على البناء والإنجاز في ظل ظروف اقتصادية تتطلب ابتكار حلول تشغيلية غير تقليدية.
فرص استثمارية ووظيفية
ويقول خبراء إن الانعكاسات الإيجابية لهذا المشروع العملاق ستمتد لتحدث أثرا مضاعفا في مختلف القطاعات الاقتصادية الموازية، فقطاع النقل، على سبيل المثال، سيشهد انتعاشة غير مسبوقة من خلال حركة نقل المواد الخام والكوادر البشرية والآليات الثقيلة، وهو ما يعني خلق مئات الفرص الاستثمارية والوظيفية لأصحاب الشاحنات وشركات النقل اللوجستي في محافظات العقبة ومعان والطفيلة والكرك.
وبين الخبراء أن قطاع الإسكان والعقارات سيشهد، في المناطق المحاذية لمسار المشروع، طلبا متزايدا على توفير مساكن للمهندسين والعمال والفنيين، مما سيحفز قطاع البناء والتشييد المحلي، ويدفع بعجلة الاستثمار العقاري في البلدات والقرى الجنوبية، ناهيك عن الانتعاش المتوقع في قطاع التجزئة والمواد الغذائية والخدمات المساندة، التي ستجد نفسها أمام قوة شرائية جديدة تضخ أموالا إضافية في شرايين الأسواق المحلية التي عانت طويلا من الركود.
وقال الشاب الجامعي محمد الطراونة: “إننا، كشباب في الجنوب، كنا دائما نبحث عن مشاريع تستوعب طاقاتنا وتمنحنا الاستقرار الوظيفي في مناطقنا، واليوم نرى في الناقل الوطني طوق نجاة حقيقيا، وفرصة لنكون جزءا من تاريخ هذا البلد وتطوره، فالأمر لا يتعلق بوظيفة مؤقتة، بل بمهنة فنية نكتسبها وتفتح لنا أبواب المستقبل”.
وبحسب ما ذكر الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الرحمن الخطيب لـ”الغد”، فإن إستراتيجية ربط التدريب المهني بالمشاريع الكبرى تمثل نقلة نوعية في الفكر الاقتصادي الحكومي، موضحا أن كل وظيفة مباشرة تخلق في مشروع الناقل الوطني ستولد، في المقابل، ثلاث وظائف غير مباشرة في القطاعات الخدمية والتجارية المساندة، وهو ما يعني إحداث صدمة اقتصادية إيجابية قادرة على خفض معدلات البطالة في الجنوب بشكل ملموس.
وأضاف الخطيب أن الشراكة مع جهات دولية مانحة، كحكومة الولايات المتحدة، تضفي بعدا مؤسسيا صارما على عمليات التدريب، مما يضمن أن المخرجات البشرية ستكون على مستوى عال من الحرفية، التي تؤهلها لاحقا للعمل في مشاريع مشابهة داخل وخارج الأردن، مشددا على أهمية استدامة هذا النهج التشاركي بين الوزارات، لتجنب العشوائية في التأهيل، وضمان مواءمة المهارات المكتسبة مع الاحتياجات الفعلية للمقاولين المنفذين.
أهمية الدور النسائي
أما المهندسة ريما القطاونة، فأكدت أن إدماج المرأة في هذه البرامج التدريبية المتخصصة يعكس وعيا متقدما بأهمية الدور النسائي في القطاعات الهندسية والمائية، مشيرة إلى أن فتيات الجنوب يمتلكن طموحا لا يحده سقف لإثبات كفاءتهن في الميدان، جنبا إلى جنب مع زملائهن الشباب، مطالبة بتكثيف حملات التوعية للوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من الباحثات عن عمل في القرى والمناطق النائية.
وأجمع الخبراء على أن هذا الحراك التنسيقي الذي شهدته العقبة يضع اللبنات الأولى لثقافة عمل جديدة تعتمد على الاستباقية في التخطيط، فبدلا من انتظار بدء المشروع للبحث عن عمالة قد لا تكون مؤهلة، أو اللجوء إلى العمالة الوافدة، تأتي هذه الخطوة الاستباقية لتحصين المشروع بكفاءات وطنية خالصة، وهو ما يعزز من مفهوم السيادة الاقتصادية والاعتماد على الذات في تنفيذ المشاريع الإستراتيجية التي تمس الأمن القومي للبلاد.
ويبرز دور مجمع العقبة الوطني للتدريب المهني كحاضنة أساسية لصناعة المهارات، حيث تم تجهيزه بأحدث المعدات والتقنيات التي تحاكي بيئة العمل الحقيقية في محطات التحلية وخطوط الأنابيب الضخمة، ليكون بمثابة مصنع للكفاءات التي ستتولى مسؤولية تحويل مياه البحر الأحمر إلى عصب حياة يروي عطش المحافظات، ويدعم القطاعات الزراعية والصناعية في المملكة.
وأكدوا أن الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة يبقى معقودا على مدى إقبال الشباب الأردني على الانخراط في هذه البرامج المهنية المتخصصة، وتغيير النظرة المجتمعية التقليدية نحو العمل المهني والفني، فالمستقبل اليوم يفتح ذراعيه لأصحاب المهارات التقنية القادرين على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة في قطاع المياه، وهو نداء وطني يستدعي تضافر جهود المؤسسات الإعلامية والتربوية كافة لتعزيز ثقافة العمل والإنتاج.

 أحمد الرواشدة/ الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة