النخيلة.. أيقونة وادي عربة البكر تتأهب لصياغة “المربع الذهبي”

العقبة-  على بُعد نحو خمسين كيلومترا من مدينة العقبة الساحلية، تقبع منطقة النخيلة لتشكل لوحة جغرافية متفردة تعزف سيمفونية الطبيعة البكر التي ما زالت تحتفظ بجمالها وتنوعها البيئي الفريد بعيدا عن صخب التمدن.

 

وتتجلى جمالية المنطقة في تنوع تضاريسها المدهشة؛ إذ تعانق الهضاب الشاهقة الوديان العميقة، وتتداخل الكثبان الرملية الذهبية مع التلال الممتدة على مدِّ البصر، في حين تضم عددا من السيقان الطبيعية الساحرة التي حفرتها يد الزمن، من بينها سيقٌ مهيبٌ يمتد لأكثر من 400 متر، ويأخذ الزائر في رحلة بصرية ونفسية تعيد صياغة مفهوم السياحة البيئية في جنوب المملكة، وتؤسس لمرحلة جديدة من الاستثمار الأمثل للموارد الطبيعية.
تنوع مناخي وأهمية تاريخية
لا تقتصر هبة الطبيعة للنخيلة على التضاريس، بل امتدت لتشمل تنوعا حيويا ومناخيا لافتا يضعها في مصاف المناطق السياحية الاستشفائية والبيئية الأبرز. إذ تتباين درجات الحرارة بين أجزاء المنطقة تبعا للارتفاعات الجغرافية المختلفة، لتنخفض درجات الحرارة تدريجيا كلما تعمق الزائر وارتفع داخل مسارات المنطقة بفارق قد يصل إلى خمس درجات مئوية مقارنة بالمناطق المنخفضة المحيطة بها، مما يمنحها ميزة تنافسية كبرى تجعلها ملاذا سياحيا على مدار العام، وتفتح آفاقا إستراتيجية واسعة أمام صناع القرار السياحي في الأردن لإعادة رسم الخريطة السياحية الجنوبية.
ويبين رئيس جمعية النخيلة السياحية، عطالله الهلايلة، أن الجمعية تتطلع بشغف وعمل دؤوب إلى إدراج النخيلة ضمن المقاصد السياحية الرئيسة في جنوب المملكة، بحيث لا تكتفي بالترويج التقليدي، بل تسعى إلى تحويل المفهوم الراسخ لـ”المثلث الذهبي” الذي يضم العقبة ووادي رم والبترا، إلى “مربع ذهبي” يضم النخيلة كضلع رابع وأساسي في هذه المنظومة السياحية المتكاملة، ما يعزز تنوع المنتج السياحي الأردني، ويطيل مدة إقامة السائح، ويوفر تجربة متكاملة تمزج بين البحر والصحراء والتاريخ والبيئة البكر.
ويضيف: “تكتسب هذه الرؤية زخمها من الأهمية التاريخية الاستثنائية التي تحظى بها المنطقة، حيث تقف الشواهد الأثرية والجيولوجية شامخة لتروي حكاية إنسان استوطن هذه الأرض منذ العصر الحجري. وقد شكل وادي عربة، والنخيلة في قلبه، عبر الحقب التاريخية المتعاقبة، معبرا إستراتيجيا حيويا ربط بين قارتي آسيا وإفريقيا، وممرا آمنا للقوافل التجارية وقوافل الحجاج التي كانت تؤم الديار المقدسة”.
وأشار إلى أن قوافل قريش في رحلاتها التاريخية إلى بلاد الشام كانت تمر عبر هذه الدروب العتيقة محملة بالبضائع والثقافات، لتظل النخيلة شاهدة على تفاعلات حضارية وإنسانية عميقة تمنح المكان روحا تتجاوز البعد المادي إلى أبعاد ثقافية وتراثية تجعل من زيارته رحلة في عمق الزمن.
ويوضح الهلايلة أن منطقة النخيلة تقف اليوم على أعتاب مرحلة مفصلية، تمتلك فيها جميع المقومات الإستراتيجية واللوجستية التي تؤهلها لتكون وجهة متخصصة ورائدة في السياحة الصحراوية والبيئية على المستويين الإقليمي والدولي، مستفيدة من موقعها الجغرافي المتميز وقربها من ثالوث السياحة الأردني: العقبة والبترا ووادي رم، فضلا عن مجاورتها لمطار الملك الحسين الدولي في العقبة وشبكة المنافذ الحدودية البرية والبحرية، مما يمنحها ميزة تنافسية هائلة تسهل وصول الأفواج السياحية، وتجعلها نقطة انطلاق أو ختام مثالية لأي برنامج سياحي في الجنوب.
مقومات لوجستية ومزايا استشفائية
ينوه عدد من سكان المنطقة إلى أن إمكانات منطقة النخيلة تمتد إلى السياحة العلاجية والاستشفائية، إذ تشتهر المنطقة بتقديم تجارب فريدة للعلاج بالرمال الساخنة التي تحتضنها كثبانها النقية. وهي تجربة علاجية طبيعية تستهدف، بشكل خاص، المصابين بأمراض الروماتيزم وبعض الآلام المزمنة في المفاصل والعظام، موضحين أن عملية التطمير الرملي تتم بإشراف مختصين من أبناء المنطقة الذين ورثوا هذه المعرفة عبر الخبرة المتراكمة جيلا بعد جيل.
ويبينون أن هذه الممارسات سجلت نتائج إيجابية وملموسة لدى العديد من الزوار الباحثين عن الشفاء الطبيعي. ورغم أن هذه السياحة العلاجية ما تزال في مراحلها الأولى وتتطلب تأطيرا مؤسسيا وطبيا لتطويرها، فإنها تمثل كنزا اقتصاديا وصحيا واعدا يمكن أن يستقطب آلاف الباحثين عن السياحة الاستشفائية من مختلف دول العالم.
ومن زاوية أخرى، تبرز ميزة بيئية نادرة تتمتع بها سماء النخيلة، تتمثل في صفاء الأجواء الاستثنائي وخلوها التام من التلوث الضوئي الذي تعاني منه المدن الكبرى، مما يجعل من ليالي النخيلة مسرحا فلكيا مهيبا وموقعا مثاليا لمراقبة النجوم والأجرام السماوية ورصد الزخات الشهابية. كما يمهد ذلك الطريق لإقامة مراصد فلكية متخصصة وتطوير سياحة التأمل الفلكي، خصوصا خلال الليالي القمرية المكتملة التي تنعكس فيها أشعة القمر على صخور الوادي ورماله، لتشكل لوحة فضية تسلب الألباب وتوفر بيئة مثالية للمصورين وعشاق الطبيعة الصامتة.
ويؤكد رئيس جمعية النخيلة أن المنطقة تتوافر فيها بنية تحتية طبيعية ومقومات لوجستية قابلة للتطوير المستدام، لدعم وتنمية حزمة واسعة من الأنشطة السياحية المتنوعة، بدءا من توفير سيارات الدفع الرباعي المجهزة التي تجوب الكثبان والوديان، مرورا بتنظيم رحلات الإبل والجمال التي تعيد إحياء تراث القوافل القديمة، وصولا إلى تهيئة المسارات الآمنة لرياضات المغامرة والسير على الأقدام والرحلات الصحراوية الاستكشافية ورياضة التطعيس التي تستهوي فئة الشباب وعشاق الإثارة.
ويبين أن هذه المزايا دفعت الجمعية إلى أخذ زمام المبادرة وتنظيم مهرجان النخيلة الأول للسياحة والتراث والرياضات الصحراوية، في خطوة ذكية هدفت إلى تسليط الضوء الإعلامي والسياحي على المنطقة، وإبراز إمكاناتها الكامنة، ووضعها بقوة على أجندة الفعاليات الوطنية.
ويؤكد أطباء الطب الطبيعي والتأهيل فاعلية العلاج بالرمال الساخنة، أو ما يعرف علميا بالتطمير الرملي، في منطقة النخيلة، مبينين الخصائص المعدنية الفريدة لرمال وادي عربة وقدرتها على امتصاص الرطوبة الزائدة وتخفيف آلام المفاصل والروماتيزم وتنشيط الدورة الدموية. كما يقترحون مأسسة هذا النوع من العلاج عبر إنشاء مراكز استشفاء صحراوية متخصصة تجمع بين الطب الحديث والخبرات المتوارثة لأبناء البادية، لتقديم تجربة علاجية وسياحية متكاملة تضاهي أشهر المصحات الطبيعية في العالم.
مطالب تنموية واجتماعية
يرى الخبير في التخطيط الإستراتيجي السياحي، الدكتور حسن العمري، أنه من الضروري تجاوز النظرة التقليدية للمقاصد السياحية عبر تبني إستراتيجية “المربع الذهبي” كضرورة حتمية لتعزيز التنافسية الإقليمية للأردن، معتبرا أن دمج النخيلة في هذه المنظومة سيشكل رافعة حقيقية لإطالة مدة إقامة السائح، سواء كان أجنبيا أم محليا.
ويشدد على حتمية توجيه الاستثمارات نحو البنية التحتية الخضراء والمخيمات البيئية لضمان استدامة الموارد الطبيعية وخلق فرص عمل نوعية لأبناء المجتمع المحلي، بعيدا عن الحلول المؤقتة، مؤكدا أهمية النهوض بواقع المجتمع المحلي اقتصاديا واجتماعيا.
ويقول خبير التراث في المنطقة ومستشار الجمعية، علي الأحيوات، إن وادي النخيلة يُعد، بلا أدنى شك، من أهم المناطق السياحية الواعدة في محافظة العقبة والجنوب بأسره، مدعوما بما يمتلكه من مقومات طبيعية وتاريخية وتراثية نادرة تؤهله بقوة لاستقطاب المزيد من الزوار والباحثين والمهتمين بالسياحة الصحراوية والبيئية.
وأكد أن المنطقة لا تحتاج إلى اختراع مقومات جديدة، بل تستحق مزيدا من الاهتمام المؤسسي والترويج الممنهج والدعم اللوجستي والمادي، بما يسهم في إبراز ما تختزنه من كنوز طبيعية وثقافية، وتحويلها من مجرد منطقة عبور أو موقع مجهول إلى محطة رئيسة وفاعلة على خريطة السياحة في الأردن، بما ينعكس إيجابا وبشكل مباشر على تمكين المجتمعات المحلية وتحريك عجلة التنمية الاقتصادية والحركة السياحية الشاملة في إقليم العقبة.
ويبين أن المنطقة تزخر بمواقع تراثية تقف كحراس للتاريخ، من أبرزها شجرة “طلحة القوافل”، أو ما يتعارف عليه أهل المنطقة بـ”طلحة الميعاد”. وهي شجرة معمرة ضاربة بجذورها في أعماق الأرض والتاريخ، كانت تمثل نقطة التقاء واستراحة وملاذا ظليلا للقوافل التجارية والتجار والمسافرين بعد عناء المسير في حر الصحراء. وتحت أغصانها عُقدت الاتفاقيات، واستراحت الجيوش، وعبرت من جوارها قوافل عديدة تركت أثرها في ذاكرة المكان، لتصبح هذه الشجرة رمزا للكرم وحسن الضيافة المتأصلة في أبناء البادية الأردنية.
ويشير الأحيوات إلى أن الهدف الرئيس والمحوري لدى الجمعية يتمثل في ترسيخ قيم الولاء والانتماء الحقيقي لدى فئة الشباب، عبر دمجهم في مشاريع تنموية ترتبط بأرضهم، والمساهمة الفاعلة في مكافحة آفتي الفقر والبطالة من خلال خلق فرص عمل مستدامة تعتمد على تنمية السياحة البيئية والصحراوية وإدارة المشاريع الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بها.
وأضاف أن الأمل معقود على أن تتدرج النخيلة في نموها لتصبح وجهة رئيسة للسياحة المحلية في المرحلة الأولى، مستفيدة من قربها الجغرافي من مدينة العقبة، وسهولة الوصول إليها عبر شبكة طرق آمنة، وانخفاض كلفة زيارتها مقارنة بوجهات أخرى، مما يجعلها خيارا مفضلا للعائلات الأردنية والشباب الباحثين عن المغامرة بأسعار في متناول اليد.
ويلفت الخبير البيئي علي الحجوج إلى أن صفاء السماء في منطقة النخيلة وخلوها المطلق من التلوث الضوئي يشكلان عامل جذب لهواة الفلك ومراقبي النجوم، كون المنطقة نافذة طبيعية نادرة على الكون، داعيا إلى استثمار هذه الميزة التنافسية عبر إقامة مراصد فلكية صديقة للبيئة وتنظيم مخيمات رصد دورية تضع الأردن بقوة على خارطة السياحة الفلكية العالمية، وتجذب شريحة جديدة من السياح ذوي الاهتمامات العلمية والبيئية المتخصصة.
ومن جهته، يبين مصدر في سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة أن منطقة النخيلة في وادي عربة تمثل إحدى أبرز الفرص السياحية والتنموية الواعدة في جنوب المملكة، لما تمتلكه من مقومات طبيعية وبيئية وتراثية فريدة تؤهلها لتكون وجهة متخصصة في السياحة الصحراوية والبيئية والاستشفائية. وأشار إلى أن النخيلة تشكل امتدادا إستراتيجيا للمنتج السياحي في العقبة، نظرا لقربها من مدينة العقبة ووادي رم والبترا ومطار الملك الحسين الدولي، الأمر الذي يعزز فرص دمجها ضمن المسارات السياحية القائمة وإطالة مدة إقامة الزائر في المنطقة الجنوبية.
وأكد المصدر أهمية دعم المبادرات المحلية والجمعيات المجتمعية العاملة في المنطقة، وتشجيع الاستثمارات النوعية في المخيمات البيئية والسياحة الفلكية والعلاج بالرمال والأنشطة الصحراوية، بما يسهم في خلق فرص عمل لأبناء المنطقة وتعزيز التنمية الاقتصادية.

 أحمد الرواشدة/ الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة