النمو السكاني والسياحي يربك طرق العقبة.. وتعويل على حلول مرتقبة للتقاطعات الحيوية

وبينما تتسابق المشاريع السكنية نحو الشمال والشرق بسرعة قياسية لاستيعاب النمو السكاني، تبدو شبكة الطرق الداخلية وكأنها تلهث للحاق بهذا التوسع، مما خلق فجوة تخطيطية يدفع ثمنها المواطن والزائر على حد سواء.
ويشير المخطط الشمولي للمدينة إلى توسع واضح نحو المنطقتين الشمالية والشرقية، ورغم أن المباني ترتفع هناك شهريًا، فإن الطرق المؤدية إليها ومداخلها ومخارجها ظلت على حالها، أو شهدت تحسينات خجولة لا ترقى لحجم الكثافة السكانية الجديدة.
بهذا الخصوص، يقول المهندس المعماري خالد الكسواني لـ”الغد”: إن المشكلة تكمن في أن التخطيط لشبكة الطرق جاء كرد فعل وليس كإجراء استباقي للمناطق الثامنة والتاسعة والسابعة وغيرها من المناطق، والتي باتت اليوم تكتظ بمئات السيارات وتعمل على إرباك حركة دخول وخروج المركبات، مشيرًا إلى أننا نرى أحياء كاملة تشغل بالسكان، بينما لا يخدمها سوى مدخل رئيسي واحد ومخرج واحد، مما يحول هذه النقاط في ساعات الصباح والظهيرة إلى “عنق زجاجة” لا يطاق.
ويضيف الكسواني أن الدواوير الرئيسة التي تربط الأحياء الجديدة بوسط المدينة صُممت لاستيعاب بضعة آلاف من السيارات قبل عقدين، واليوم تعبرها عشرات الآلاف يوميًا، مؤكدًا أن الحلول الهندسية الحالية من إشارات ضوئية أو توسعات جانبية هي مجرد مسكنات مؤقتة.
شوارع داخلية ضيقة
وبحسب المواطن سالم الكباريتي، من سكان المنطقة التاسعة، فإن مشوار الخمس دقائق بات يستغرق نصف ساعة، وتحديدًا في فترة الصباح، لا سيما أن الشوارع الداخلية بين المنازل ضيقة جدًا، ومع اصطفاف السيارات على الجانبين يصبح المرور مستحيلاً، ونشعر أننا محاصرون داخل أحيائنا.
وأضاف، إنه إذا كان الضغط المروري في الأيام العادية “مقبولاً” على مضض، فإنه يتحول في المواسم السياحية والعطلات الرسمية إلى شلل تام، من خلال تدفق آلاف الزوار بمركباتهم الخاصة من محافظات المملكة، تزامناً مع حركة الحافلات السياحية، مما يضع شبكة طرق العقبة المحدودة أصلاً تحت اختبار قاسٍ تفشل فيه غالبًا.
إلى ذلك، يصف سائق تكسي عمومي في العقبة، محمد الرواشدة، أن سائقي التكسي نفضل عدم العمل في منطقة السوق التجاري أو شارع الكورنيش، خصوصًا في أيام الأعياد والعطل وأيام الذروة، حيث إن الدخول إلى هناك يعني أنك ستعلق لساعات طويلة، لا سيما أن الشوارع لا تحتمل هذا الكم الهائل، والأرصفة تتحول إلى مواقف سيارات، مما يجبر المشاة على السير في نهر الطريق، فتتفاقم الأزمة.
وأضاف، إن تركّز الخدمات والمرافق الترفيهية والتجارية في “قلب المدينة” دون توزيعها على الأطراف هو السبب الرئيسي في هذا التكدس الموسمي، حيث تصب كل الشرايين المرورية في نقطة مركزية واحدة.
ولا يمكن الحديث عن أزمة الطرق في العقبة بمعزل عن كونها مدينة مينائية وصناعية، لا سيما حركة الشاحنات الثقيلة القادمة عبر طريق البحر الميت، والتي تشق أهم شارع في المنطقة الشمالية، بالإضافة إلى دخول الشاحنات القادمة من عمان والمحافظات إلى أجزاء من شوارع المدينة عبر نفق الصناعية، لا سيما بعد إغلاق أو صيانة الطريق الخلفي في بعض الأحيان، ما يمثل “الصداع المزمن” لسكان المدينة ومهندسي الطرق على حد سواء، ويجعلها جزءا من المشهد المروري الداخلي.
ووفق الخبير في الطرق نازك أبو السعود، فإن الطرق الداخلية في الأحياء السكنية مصممة لتحمل مركبات صغيرة ومتوسطة، وأن دخول الشاحنات بأحمال محورية عالية يؤدي إلى ما يسمى “كلال الإسفلت” وتشقق الطبقات السطحية وهبوط الأساسات، مما يفسر ظهور الحفر والتموجات في الشوارع بعد فترة قصيرة من تعبيدها، مشيرا في الوقت ذاته، إلى أن المشكلة لا تكمن في دمار الطريق فحسب، بل في السلامة العامة أيضا، لا سيما أن وجود شاحنة عملاقة بجانب سيارة صغيرة أو حافلة مدرسية هو وصفة جاهزة لكارثة مرورية.
من جهته، بين مدير أشغال العقبة، المهندس محمد الكساسبة، أن وزارة الأشغال والسلطة تعي تماما حجم التحدي المروري، مشيرا إلى أن وزارة الأشغال عملت على صيانة وإعادة تأهيل الطريق الخلفي في العقبة لإلزام الشاحنات بالسير عليه دون دخول المدينة، في حين أكد أن هناك صيانة دورية للطرق الرئيسة التي تدخل ضمن اختصاص أشغال العقبة.
مراقبة سرعة الشاحنات وأحمالها
وبين مصدر مسؤول في سلطة العقبة الاقتصادية الخاصة، أن الشاحنات التي تدخل المدينة قسرًا مراقبة تمامًا من قبل كوادر السلطة من حيث السرعة والسلامة المرورية والأحمال، ولها مسرب خاص إلى أن تصل إلى الموانئ الأردنية، مشيرًا إلى أن سلطة العقبة تعمل ضمن مخطط شمولي محدث، وأن هناك دراسات جادة حاليًا لإيجاد حلول للتقاطعات الحيوية التي تشهد اختناقات، خصوصًا عند مداخل المناطق السكنية التاسعة وغيرها.
يذكر أنه، وبحسب أرقام رسمية، فإن نسبة الزيادة التقديرية في عدد المركبات في العقبة خلال السنوات الخمس الماضية بلغت 30 %، فيما توجد أربع نقاط سوداء، وهي عدد التقاطعات الرئيسة التي تصنفها شرطة السير على أنها “بؤر ازدحام دائمة”، كما تقدر نسبة إشغال الطرق الرئيسة في وسط المدينة خلال عطلة الأعياد بـ125 %.
وشهدت مدينة العقبة خلال العقدين الأخيرين تحولات ديموغرافية وعمرانية متسارعة انعكست بشكل مباشر على واقع الطرق والبنية التحتية، في وقت تقدر عدد سكان المدينة اليوم بما يزيد على 240 ألف نسمة، مقارنة بنحو 100 ألف تقريبًا مطلع الألفية، في ظل توسع عمراني ملحوظ باتجاه المناطق الشمالية والشرقية مثل التاسعة والثامنة والسابعة، التي أصبحت تستوعب آلاف الأسر الجديدة، وترافق هذا النمو السكاني مع زيادة ملحوظة في أعداد المركبات المسجلة، حيث تشير تقديرات رسمية إلى ارتفاعها بنحو 30 % خلال السنوات الخمس الماضية، ما ضاعف الضغط على شبكة طرق صُممت في جزء كبير منها قبل أكثر من عشرين عامًا، عندما كانت الكثافة المرورية أقل بكثير.
وتشكلت الأزمة المرورية في العقبة وضيق الشوارع، على مدى سنوات من التحولات الاقتصادية والعمرانية المتسارعة التي شهدتها المدينة منذ إعلانها منطقة اقتصادية خاصة عام 2001، فقد تحولت العقبة من مدينة ساحلية هادئة ذات كثافة مرورية محدودة، إلى مركز لوجستي وسياحي واستثماري مفتوح على الداخل الأردني والإقليم، ما رفع وتيرة النمو السكاني والعمراني بشكل يفوق قدرة البنية التحتية على الاستيعاب.
كما تشكل العقبة بوابة الأردن البحرية ومركزًا رئيسيًا لحركة الشحن والتخليص، ما يعني تدفقًا يوميًا للشاحنات الثقيلة المرتبطة بالموانئ والمناطق الصناعية، إضافة إلى أن العقبة تستقبل آلاف الزوار في المواسم والعطل الرسمية، ما يرفع نسبة إشغال الطرق في وسط المدينة إلى مستويات تتجاوز الطاقة التصميمية، وتتحول بعض التقاطعات إلى بؤر ازدحام دائمة، ويزيد من حدة المشكلة تركز الأنشطة التجارية والترفيهية في نطاق جغرافي ضيق، ما يجعل الحركة المرورية تتدفق نحو مركز واحد بدلاً من توزيعها على أطراف المدينة.
وتتوزع مسؤولية الطرق بين وزارة الأشغال العامة وسلطة العقبة الاقتصادية الخاصة، ضمن مخطط شمولي محدث يسعى لتنظيم حركة الشاحنات ومعالجة التقاطعات الحرجة، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من الحلول الموضعية إلى رؤية تخطيطية استباقية، تدمج بين النمو العمراني وتخطيط النقل المستدام، بما يشمل تطوير مداخل بديلة، وإنشاء جسور أو أنفاق في النقاط السوداء، وتحفيز النقل العام داخل المدينة.

