“النواب” أمام نصف عام حاسم.. تشريعات كبرى ومراجعات سياسية مرتقبة

حتى الآن، لم تصدر الإرادة الملكية السامية بدعوة مجلس الأمة لعقد دورة استثنائية له، لكن التوقعات في الأوساط البرلمانية والحكومية تتزايد، بأن يشهد منتصف الشهر المقبل، انعقاد دورة استثنائية تحمل على جدول أعمالها حزمة من مشاريع القوانين المهمة، في خطوة مرتبطة بإدارة الأجندة التشريعية للنصف الثاني من العام، أكثر من ارتباطها بمتطلبات تشريعية آنية فقط.
وتظهر أهمية الدورة المرتقبة، من طبيعة القوانين المتوقع إدراجها على جدول أعمال مجلس النواب، وفي مقدمتها مشاريع قوانين الإدارة المحلية والملكية العقارية والجامعات، وتشريعات أخرى تتطلب تعديل مادة أو اثنتين، تتعلق بالمؤسستين المدنية والعسكرية بعد قرار الدمج بينهما.
تلك القوانين لا تقتصر آثارها على الجوانب التنظيمية، بل تمتد إلى ملفات الإصلاح الإداري وتطوير الخدمات العامة وتعزيز كفاءة المؤسسات. فإذا صدرت الإرادة الملكية بالدعوة لدورة استثنائية، فستكون الأولى التي تعقد بعد استقرار المشهد البرلماني نسبياً في مجلس النواب الـ20، واكتمال تشكل الكتل النيابية وبدء تبلور ملامح الأداء الحزبي تحت القبة، ما يمنحها بعداً سياسياً يتجاوز مجرد مناقشة مشاريع القوانين المدرجة على جدول الأعمال.
لا تحتمل التأجيل
ترتبط الدورات الاستثنائية عادة، بإنجاز تشريعات محددة لا تحتمل التأجيل أو تحتاجها الحكومة قبل بدء الدورة العادية، لكن المعطيات الحالية تشير إلى أن الاستثنائية المرتقبة، قد تكون جزءاً من خطة أوسع لإعادة ترتيب الأولويات التشريعية، وتخفيف الضغط المتوقع على الدورة العادية التي تبدأ دستورياً في الأول من تشرين الأول (أكتوبر) المقبل.
إن أهمية الدورة العادية الثالثة المرتقبة، لا تقف عند حدود استكمال التشريعات الحكومية حسب، بل يُتوقع بأن تشهد زخماً سياسياً وتشريعياً أكبر من الدورتين السابقتين، بخاصة بعد مرور تجربة انتخابية كاملة وفق منظومة التحديث السياسي وقانوني الانتخاب والأحزاب.
فبعد أول اختبار عملي للقانون الجديد، بدأت تتشكل لدى نخب سياسية وبرلمانية وهيئات معنية، صورة أكثر وضوحاً حول جوانب القوة التي عززت الحضور الحزبي تحت القبة، وفي المقابل الملاحظات التي أفرزها التطبيق العملي على الأرض؛ لذلك لا يستبعد مراقبون أن تفتح الدورة العادية المقبلة نقاشاً هادئاً ومسؤولاً حول إدخال تعديلات محدودة على قانون الانتخاب، لا يمس جوهر مشروع التحديث السياسي، وإنما تستهدف معالجة بعض الثغرات الإجرائية والفنية التي كشفتها التجربة الأولى، بما يسهم بتعزيز التمثيل الحزبي ورفع كفاءة العملية الانتخابية، وتحقيق الأهداف التي قامت عليها منظومة التحديث.
الحكومة تسعى إلى تجنب تراكم القوانين على جدول أعمال الدورة العادية التي ستستهلك وقتا طويلا في انتخاب اللجان والمكتب الدائم، ومن ثم إقرار ومناقشة الموازنة العامة للدولة عن السنة المالية 2027، بخاصة في ظل توقعات بوجود ملفات تشريعية واقتصادية وإدارية جديدة في الأشهر المقبلة، ما يجعل من الدورة الاستثنائية فرصة لإنجاز جزء من التشريعات قبل الدخول في الموسم البرلماني التقليدي.
أهمية “استثنائية الأمة” المحتملة، لا تكمن فقط في عدد القوانين المطروحة والذي يبدو محدودا، بل في طبيعتها أيضاً؛ فقانون الإدارة المحلية، على سبيل المثال، يرتبط بصورة مباشرة بمستقبل اللامركزية والإدارة التنموية في المحافظات، فيما تمس التشريعات العقارية بيئة الاستثمار والتنظيم الإداري للقطاع العقاري، في حين تتصل قوانين الجامعات بمسار تطوير التعليم العالي وحوكمته؛ وإدخال تعديلات تتوافق وفق تعديل قانون التربية والتعليم. أما التشريعات المتعلقة بالمؤسسة المدنية والعسكرية، فتتصل بجوانب تنظيمية وإدارية تتعلق بالدمج بين المؤسستين.
دستوريا؛ فان عادية “الأمة”، تبدأ مستهل تشرين الأول (أكتوبر) من كل عام، مع وجود صلاحية دستورية لجلالة الملك بإرجاء انعقادها لما يزيد على شهرين إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك. ومع أن الحديث عن إرجاء الدورة العادية ما يزال سابقاً لأوانه، لكن وجود هذه الصلاحية الدستورية يجعل إدارة الرزنامة التشريعية أكثر مرونة، تبعاً للظروف والاحتياجات التشريعية للدولة؛ ويرجح بأن ترجأ الدورة لمدة لا تصل إلى شهر حتى تتمكن الحكومة من تقديم الموازنة وتقرها في موعدها المحدد.
حسب الترجيحات، فالاستثنائية المرتقبة قد تستمر لفترة تتراوح بين شهر و40 يوماً، وهي مدة أطول نسبياً من بعض الدورات الاستثنائية السابقة، وتعكس حجم الملفات المتوقع طرحها للنقاش والإقرار.
سياسياً، ستشكل الدورة اختباراً مهماً لمدى قدرة مجلس النواب على تحقيق التوازن بين السرعة المطلوبة لإنجاز التشريعات، وجودة النقاش البرلماني حولها. كما أنها ستوفر مؤشراً مبكراً على شكل العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في المرحلة المقبلة، ومدى قدرة المجلس على ممارسة دوره التشريعي والرقابي ضمن البيئة السياسية الجديدة التي أفرزتها منظومة التحديث السياسي.
أولويات تشريعية
في المحصلة، فإن أهمية “استثنائية تموز” المرتقبة، لا ترتبط فقط بالقوانين التي قد تتضمنها الإرادة الملكية عند صدورها، بل بما يمكن أن تعكسه من توجهات حكومية وبرلمانية للمرحلة المقبلة. فالدورة، لن تكون مجرد محطة تشريعية عابرة، بل قد تتحول إلى مقدمة عملية للدورة العادية المقبلة، وإلى مؤشر مبكر على أولويات الدولة التشريعية والإدارية خلال ما تبقى من العام، في وقت تتزايد فيه الحاجة لتسريع وتيرة الإنجاز التشريعي دون الإخلال بجودة النقاش.
وبين ترقب الإرادة الملكية السامية للدعوة إلى الدورة الاستثنائية، والاستعداد للدورة العادية الثالثة، يبدو مجلس النواب مقبلاً على واحد من أكثر مواسمه التشريعية أهمية منذ إقرار مخرجات التحديث السياسي، بحيث لن يقتصر التحدي على إنجاز القوانين المدرجة على جدول الأعمال، بل سيمتد إلى تقييم التجربة الحزبية والانتخابية الأولى والبناء عليها، بما يعزز مسار الإصلاح التدريجي الذي اختاره الأردن للدخول إلى المئوية الجديدة.

