الهبوط يقصي أندية عريقة من المشهد.. تجارب مؤلمة ودروس مستفادة

عمان – شكل هبوط فريقي كفرسوم ومغير السرحان إلى دوري أندية الدرجة الثانية، حالة من القلق لدى الجماهير خشية أن يكون مصيرهما كمصير العديد من الفرق المتميزة التي غادرت ولم تستطع العودة، بعدما كانت حاضرة في دوري المحترفين لسنوات طويلة.
ولم تكن الفرق التي غابت عن دوري المحترفين مجرد فرق عابرة في سجل المنافسات، بل كانت علامات بارزة في المشهد الكروي الأردني، وامتلكت حضورا جماهيريا واسعا، ومثلت مناطق مختلفة من محافظات الوطن، وحملت معها هوية اجتماعية وثافية ورياضية عميقة. هذه الأندية خاضت صولات وجولات حقيقية في دوري المحترفين، وفرضت نفسها على كبار الفرق، وكانت نتائجها تصنع الحدث وتمنح المنافسة نكهة خاصة، فيما شكلت مدرجاتها صورة حية للانتماء والشغف الكروي.
فرق مثل ذات راس، الجليل، الكرمل، اليرموك، شباب الحسين، الفحيص، المنشية، البلقاء، سحاب، العربي، الشيخ حسين وغيرها، لم تكن مجرد فرق كرة قدم، بل واجهات رياضية لمناطقها، وعناوين لجماهير وجدت في هذه الأندية صوتها وحضورها، حيث اعتلى عدد منها منصات التتويج، وحقق بطولتي كأس الأردن والدرع، وبعضها مثل الكرة الأردنية خارجيا، قبل أن تتراجع هذه الأسماء تدريجيا وتغيب عن الواجهة.
التحول من المنافسة إلى التراجع لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة قرارات إدارية خاطئة، خصوصا في ملف التعاقدات مع اللاعبين، واندفعت بعض الإدارات نحو البحث عن المنافسة وتحقيق نتائج سريعة من دون امتلاك مقومات حقيقية، فتعاقدت مع لاعبين برواتب مرتفعة، وأبرمت صفقات غير مدروسة، في ظل غياب شبه تام للجان فنية متخصصة قادرة على تقييم الاحتياجات الفعلية للفريق. هذه السياسة خلقت أعباء مالية كبيرة، وحملت الأندية ديونا متراكمة، سرعان ما انعكست على الاستقرار الفني والإداري.
ومع أول هبوط، ظهرت هشاشة البنية المالية بشكل واضح، إذ تراجع الدخل وبقيت الالتزامات قائمة، لتدخل الأندية في دوامة طويلة من الأزمات.
وزاد تعقيد المشهد غياب الاستثمار في الفئات العمرية، فالأندية التي لا تملك قاعدة قوية من اللاعبين الشباب تبقى رهينة التعاقدات الخارجية، ومع أي أزمة مالية يتهاوى الفريق الأول سريعا.
ويجمع متابعون، على أن غياب الدور الفاعل للاتحاد في دعم الأندية التاريخية ساهم في تعقيد الأزمة، فالدعم المطلوب لا يقتصر على الجوانب المالية، بل يشمل برامج تطوير إداري وفني، ومرافقة حقيقية للأندية الهابطة لضمان قدرتها على التعافي. كما أن ابتعاد الجمهور بعد الهبوط شكل ضربة إضافية، إذ فقدت الأندية أحد أهم مصادر الدعم المعنوي والدخل، لتجد نفسها معزولة في أصعب مراحلها.
ما تعيشه هذه الأندية اليوم ليس مجرد تراجع رياضي، بل نتيجة تراكمات طويلة من القرارات الإدارية الخاطئة وسوء التخطيط والمبالغة في الطموح من دون إمكانات حقيقية. ورغم قسوة المشهد، تبقى العودة ممكنة إذا ما توفرت الإرادة والرؤية والعمل المؤسسي، ليبقى السؤال مفتوحا: هل تتحول هذه التجارب إلى دروس تعيد للأندية العريقة مكانتها، أم تبقى مجرد أسماء محفورة في ذاكرة الكرة الأردنية؟
وأكد المدير الفني لفريق شباب الأردن عيسى الترك، أن تراجع عدد من الأندية الأردنية التي كانت حاضرة بقوة على منصات التتويج أو وصلت إلى أدوار متقدمة في البطولات يعود إلى أسباب متعددة وعميقة في منظومة كرة القدم، وفي مقدمتها غياب الاعتماد الحقيقي على الفئات العمرية وضعف البنية التحتية، خاصة في الجانب المالي.
وأضاف في حديثه لـ”الغد”، أن دخول الأندية في تجربة الاحتراف جاء من دون تدرج حقيقي أو جاهزية كاملة، مشيرا إلى أن الاحتراف سبق توفر المقومات الأساسية له، مثل الاستقرار المالي والتسويق الرياضي والاستثمار وتحويل الأندية إلى مؤسسات أو شركات قادرة على الاستدامة، وأن الأندية انتقلت مباشرة إلى مرحلة متقدمة من الاحتراف من دون المرور بالمراحل الطبيعية، كما لو أن طفلا قفز فجأة إلى مرحلة الشباب دون تدرج، إضافة إلى عدم الاعتماد على الفئات العمرية من أبناء النادي.
وبين أن الواقع الحالي يكشف عن أندية قادرة على المنافسة عندما تكون ظروفها المالية جيدة، لكنها سرعان ما تتراجع وتهبط إلى الدرجة الأولى ثم الثانية والثالثة في حال غياب الدعم، لتختفي لاحقا عن المشهد، واصفا هذه الظاهرة بأنها غير صحية وخطيرة على كرة القدم الأردنية.
وأشار إلى أن الهبوط بحد ذاته ليس مشكلة إذا كانت مقومات الاحتراف موجودة، إذ توجد نماذج لأندية هبطت ثم عادت بقوة، والسبب الرئيس في ذلك امتلاكها قاعدة جيدة من الفئات العمرية، ما يخفف الأعباء المالية ويضمن استمرارية الفريق. في المقابل، تعاني أندية أخرى من الاعتماد على استقطاب أعداد كبيرة من اللاعبين دون بناء حقيقي، أو الارتباط بداعمين يبتعدون فور هبوط الفريق، لتبدأ بعدها رحلة التراجع.
وشدد “شيخ المدربين” على أن هذه القضية تستحق الوقوف عندها بجدية ومعالجتها بشكل جذري، حتى لا تتكرر مع أندية أخرى، بما في ذلك أندية سبق لها تحقيق بطولات أو احتلال مراكز متقدمة في دوري المحترفين، مؤكدا أن الأسباب كثيرة ومتداخلة وتتطلب دراسة معمقة وحلولا عملية.
وختم حديثه بتأكيد أهمية طرح هذا الملف للنقاش لما له من تأثير مباشر على مستقبل الكرة الأردنية، مشيرا إلى أن هناك من يدرك خطورة هذه الظاهرة، رغم أنها تمس جوهر اللعبة ومستقبل أنديتها، ومن الضروري تسليط الضوء على إحدى أخطر الإشكاليات التي تواجه كرة القدم الأردنية، والمتعلقة باستدامة الأندية وقدرتها على البقاء والمنافسة، في ظل غياب التخطيط طويل الأمد والاعتماد المفرط على الحلول المؤقتة.
ويرى المدرب الوطني عبدالله العمارين، أن المشكلة إدارية بالدرجة الأولى، مؤكدا أن الكثير من الأندية كانت تملك خامات جيدة وقاعدة جماهيرية قوية، لكنها دخلت سباق المنافسة من دون تخطيط.
وقال “إن التعاقدات المكلفة من دون رؤية فنية واضحة وغياب اللجان الفنية جعلا الهبوط أمرا متوقعا، ومع الهبوط تتضاعف المشكلة بسبب تراكم الديون وتراجع الموارد، لتصبح العودة مهمة شاقة”.
أما المتابع عمار العبدالات، فأكد أن غياب الفئات العمرية عمق الأزمة، مبينا أن النادي الذي لا يبني قاعدة قوية من الناشئين والشباب يبقى أسير التعاقدات، ومع أي ضغط مالي أو إداري ينهار الفريق، مشيرا إلى أن أندية مثل ذات راس وكفرسوم ومغير السرحان والجليل كانت قادرة على الاستمرار لو تم التركيز على البناء طويلا.
وقال مشجع فريق ذات راس محمد الهواري “إن المدرجات كانت تمتلئ يوما ما، لكن الإدارات المتعاقبة خذلت الجماهير بقرارات خاطئة، من تعاقدات بلا فائدة وديون متراكمة، قبل أن يأتي الهبوط ويغيب معه المشروع الواضح، ما أفقد الجمهور ثقته وحماسه”.

