الهنانده بكتب : الرسالة الملكية وإعادة هيكلة الجيش العربي ،، قراءة جامعية في الأمن الوطني وبناء الإنسان

 

بقلم الأستاذ الدكتور فراس الهناندة_ رئيس جامعة عجلون الوطنية

تشكل الرسالة الملكية السامية التي وجهها جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة، محطة مفصلية في مسار التحديث الشامل للدولة الأردنية، لما تضمنته من رؤية استراتيجية عميقة لإعادة هيكلة وتطوير القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، بما يتواءم مع طبيعة التحديات المعاصرة والمتغيرات المتسارعة في بيئات الصراع الحديثة.

وإذا كانت هذه الرسالة في ظاهرها موجهة إلى المؤسسة العسكرية، فإن مضامينها تتجاوز البعد العسكري الصرف، لتلامس جوهر مشروع الدولة الأردنية في بناء القوة الشاملة، التي يكون فيها الإنسان المتعلم، والبحث العلمي، والمعرفة المتخصصة ركائز أساسية لا تقل أهمية عن التسليح والتجهيز.

ومن موقعنا في جامعة عجلون الوطنية، نقرأ هذه الرسالة الملكية بوصفها وثيقة وطنية جامعة، تؤسس لشراكة واعية بين القوات المسلحة، ومؤسسات التعليم العالي، ومراكز البحث العلمي، في إطار منظومة متكاملة للأمن الوطني.

لقد أكد جلالة الملك في رسالته على مفهوم التحول البنيوي، وهو مفهوم علمي دقيق، لا يعني التغيير الشكلي أو التطوير الجزئي، بل يستدعي إعادة بناء شاملة في الفكر، والتنظيم، والعقيدة، والأدوات. وهذا المفهوم ذاته هو ما تسعى إليه الجامعات الحديثة، حين تعيد النظر في برامجها الأكاديمية، وخططها التدريسية، وأدواتها البحثية، لتكون قادرة على إعداد أجيال تمتلك القدرة على التفكير الاستراتيجي، والتحليل العميق، والتعامل مع التعقيد وعدم اليقين.

وتبرز في الرسالة الملكية إشارات واضحة إلى طبيعة الحروب المعاصرة، الهجينة وغير التقليدية، التي لم تعد ساحاتها مقتصرة على الميدان العسكري، بل امتدت إلى الفضاء السيبراني، والمعلومة، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والوعي الجمعي. وهنا، يصبح الطالب الجامعي جزءًا أصيلًا من منظومة الدفاع الوطني، بوصفه حاملًا للمعرفة، ومُنتجًا للحلول، وشريكًا في حماية استقرار الدولة من خلال تخصصه وعلمه ومسؤوليته.

كما أن تركيز جلالة الملك على العمليات السيبرانية، والذكاء الاصطناعي، والأنظمة المسيرة، يعكس إدراكًا عميقًا بأن التفوق في المستقبل لن يكون بعدد الأفراد أو حجم العتاد فقط، بل بقدرة الدولة على امتلاك المعرفة المتقدمة، وتوطين التكنولوجيا، وبناء العقول القادرة على الابتكار. وهذا يضع على عاتق الجامعات مسؤولية وطنية مضاعفة في تطوير برامجها، ودعم البحث العلمي التطبيقي، وربط المعرفة النظرية باحتياجات الدولة الاستراتيجية.

وتحمل دعوة جلالة الملك إلى إعادة توجيه دور المركز الأردني للتصميم والتطوير دلالة واضحة على أهمية التكامل بين المؤسسات العسكرية والبحثية والصناعية، وهو ما يفتح آفاقًا واسعة أمام الجامعات للمشاركة في مشاريع بحث وتطوير تخدم الصناعات الدفاعية الوطنية، وتحول الأفكار الأكاديمية ومشاريع التخرج إلى تطبيقات عملية ذات أثر مباشر.

وفي جانب لا يقل أهمية، تؤكد الرسالة الملكية على قيم الاحترافية، والانضباط، والجاهزية، والعقيدة الواضحة، وهي ذاتها القيم التي نحرص في جامعة عجلون الوطنية على غرسها في طلبتنا، إيمانًا منا بأن بناء الدولة يبدأ ببناء الإنسان، وأن قوة الجيش تنبع من قوة المجتمع، ووعي شبابه، وصلابة مؤسساته التعليمية.

إن الجامعة والجيش، وإن اختلفت ميادين العمل، يلتقيان عند هدف واحد: خدمة الأردن، وحماية أمنه، وصون استقراره، وبناء مستقبله. ومن هنا، فإن التعليم العالي ليس قطاعًا منفصلًا عن قضايا الأمن الوطني، بل هو أحد أعمدته الأساسية، ورافد من روافده الاستراتيجية.

ختامًا، تؤكد جامعة عجلون الوطنية أن الرسالة الملكية السامية تمثل دعوة مفتوحة لكل مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الجامعات، لتحمل مسؤولياتها الوطنية، والانخراط الواعي في مشروع التحديث الشامل الذي يقوده جلالة الملك، ليبقى الأردن قويًا بجيشه، راسخًا بعلمه، ومحصنًا بوعي أبنائه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة