الهندسة الحكومية// بكر عبد الحافظ الخليفات

الهندسة علم شامل وواسع لا يقتصر على هندسة الكهرباء أو الميكانيكا او سائر ما يدرس في المعاهد والجامعات ذلك أن كل عمل يخطط له بطريقة مثلى توصل إلى الهدف المطلوب فهو هندسة وفن. وتاج فن الهندسة عندنا هو الهندسة الحكومية في استخراج ما في جيوب العامة بطرق عديدة وابتكار اساليب جديدة مزيجة من قوانين الكهرباء والميكانيكا والكيمياء تدعم وتسند سوء الإدارة والتخطيط مما يطيل في عمر الحكومة ويعطيها الوقت الكافي لترحيل أساها وزلاتها ومأسيها لحكومة لاحقة ..
ومن الفروع المهمة للهندسة الحكومية هندسة استغلال القضايا الخلافية بين أطياف المجتمع ومن بينها على سبيل الذكر لا الحصر مسألة السجائر وقانون السير ، وهنا سنترك الهندسة الأولى لنخوض في الثانية نظرا لضيق المكان الذي لن تتسع له ثنايا السطور في هذا المكان المحصور . والبداية .. هندسة المخالفات ومصائد الكاميرات، فالحكومة التي تواجه مأزقاً اقتصادياً وهيكلياً خانقاً، يتجلى في عجزها الشديد عن ابتكار حلول حقيقية ومستدامة لمعالجة الأزمات المعيشية، ومحاربة معدلات البطالة المتصاعدة، وخلق بيئة استثمارية جاذبة. وأمام هذا العجز وغياب الرؤى التنموية، تختار الحكومات الطريق الأسهل: الارتهان لسياسات صندوق النقد الدولي واللجوء إلى الاستدانة المستدامة. طبعا هذه القروض لا تأتي بلا ثمن، بل تفرض شروطاً قاسية تزيد الدول رَهَقاً على رهقا، وتدخلها في دوامة من التبعية وفقدان السيادة الاقتصادية. ومع مرور الوقت، تفرط الحكومات في فرض الضرائب حتى لم تبقِ ولم تذر زاوية من زوايا حياة الشعب إلا وطالتها ضريبة، لدرجة ابتكار “الضريبة على الضريبة”.لكن هذه السياسة تصل حتماً إلى جدار مسدود؛ حيث يفقد المواطن القدرة الشرائية تماماً، ويصبح فرض أي ضريبة جديدة بمثابة فتيل لانفجار اجتماعي غير مضمون النتائج. هنا، تجد الحكومات نفسها عاجزة عن استنزاف الجيوب عبر القنوات الضريبية التقليدية، فتبدأ الهندسة الحكومية بالبحث عن وسائل جباية بديلة، تتفنن في تطبيقها وتوسيع مساحاتها بداية بترحيب ومباركة شعبية. وفي مقدمة هذه الوسائل البديلة، برز توجه الحكومات نحو المتاجرة الصريحة بمخالفات السير من خلال التوسع المفرط وغير الدقيق في نشر كاميرات المراقبة والرادار. حيث لم تعد هذه الأدوات لغاية تنظيم المرور بقدر ما تحولت إلى قنوات لجني دخْل هائل لا يكاد يُصدّق؛ حيث تشير بعض التسريبات الرسمية إلى أن إيرادات كاميرا واحدة فقط في موقع استراتيجي قد وصلت إلى قرابة مليون دينار خلال شهر واحد. هذا الحجم الفلكي من الأموال المجبية يصبح مفهوماً تماماً عند تفكيك الهندسة التنظيمية وراءه؛ إذ تلجأ الجهات المعنية إلى تحديد سرعات متدنية جداً لا تتناسب هندسياً مع طبيعة الطريق، كأن يتم تحديد السرعة القصوى بـ (50 كم/ساعة) على طريق أوتوستراد دولي واسع ومفتوح. يُشكل هذا الإجراء ما يُعرف بـ “المصيدة”، حيث تُوضع الكاميرا لاقتناص أي سائق يتصرف بشكل طبيعي وفقاً لرحابة الطريق، لتنهال عليه المخالفات المغلظة وتتحول حركة المرور اليومية إلى منبع تمويل دائم للخزينة العاجزة. ولا شك إن هذا التغول الجبائي يترك ندوباً نفسية عميقة في وجدان المواطن؛ إذ يتحول الشارع من مساحة عامة آمنة للتنقل إلى حقل ألغام قانوني يتربص بالجميع. فيعيش السائقون حالة مستمرة من التوجس، والقلق المزمن، والترقب خوفاً من ارتكاب هفوة غير مقصودة تلتهم قسماً كبيراً من قوت يومهم. وهذا الضغط النفسي المتواصل يولّد شعوراً عارماً بالقهر والاغتراب داخل الوطن؛ فالمواطن يشعر أن حكومته لا تسعى لحمايته أو تنظيمه، بل تترصد لزلاته لتقتطع من عرق جبينه. وتدريجياً، تتآكل “الثقة المجتمعية” بين الفرد ومؤسسات الدولة، ليحل محلها شعور بالإحباط والعدائية، وتراجع في الحس الوطني بالانتماء، نتيجة الإحساس بعدم الأمان الاقتصادي والنفسي والاجتماعي حتى أثناء ممارسة أبسط تفاصيل الحياة اليومية كقيادة السيارة. ومن الآثار الاقتصادية والاجتماعية (بإيجاز) أثر القطاع التجاري وحركة النقل: يؤدي رفع قيمة المخالفات وتشديد الرقابة العشوائية إلى إرباك قطاعات الشحن، والتوصيل، والنقل البري. هذا الارتفاع في كلف التشغيل يُترجم سريعاً على شكل زيادة في أسعار السلع الأساسية، وتراجع حاد في القدرة الشرائية للمواطنين، فضلاً عن تنفير المستثمرين الذين يهربون من البيئات الاستثمارية القائمة على تقلب القوانين والارتجال الجبائي. ومع كل هذه الآثار السيئة ولكي تمر هذه الشعوذة بسلام وترحيب لا بد للحكومة من المرور بهندسة الأزمات والتشريع في الخفاء، لكي تحظى هذه الإجراءات وتغليظ القوانين بالقبول الشعبي وتمر دون معارضة. ثم يأتي بعدها دور “الهندسة الإعلامية” وتوجيه الرأي العام. وهذه الهندسة تعتمد في استراتيجيتها على اقتناص أحداث معينة، قد تكون فردية أو حتى مدبّرة في خفاياها، وتحويلها إلى قضايا رأي عام تشغل الشارع؛ كأن يتم تسليط الضوء فجأة وبشكل مكثف على مقطع فيديو يظهر شخصاً يغلق السير مستهتراً أمام سيارة إطفاء، أو التركيز على حادث سير مأساوي وتكرار عرضه بأسلوب درامي. وهنا يقع قطاع من المواطنين بتمام الخدعة تحت تأثير الصدمة والعاطفة (الخدعة الحكومية)، ويندفعون للمطالبة بتغليظ العقوبات وتغيير القوانين لحماية المجتمع. وفي تلك اللحظة بالذات، يخرج قانون السير الجديد المعد مسبقاً في الغرف المغلقة إلى العلن، حاملاً معه الغطاء القانوني لرفع قيمة المخالفات وتوسيع شبكة الكاميرات. هكذا، يتحول المطلب الشعبي العاطفي بالسلامة إلى أداة تشرعن بها الحكومة وسيلة جباية جديدة وواسعة النطاق لتعويض عجزها التنموي وفشلها في إدارة الملفات الاقتصادية الكبرى.
وفي الختام وفي نهاية المطاف، فقد ثبت أن سياسات “الجباية المبتكرة” والتستر وراء القوانين الخلافية ومصائد الكاميرات على أنها مجرد مسكنات مؤقتة لعجز حكومي بنيوي عميق. فالدولة التي تستبدل الإنتاج والمشاريع التنموية والتنافسية الاستثمارية برادارات الغلق والتربص بمواطنيها على الطرقات، هي دولة تؤجل انفجار الأزمة ولا تحلها. إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة لا يمر عبر ابتكار “مصائد” جديدة لجيوب المواطنين، بل عبر قطيعة جادة مع شروط الارتهان الخارجي، والبدء في بناء اقتصاد وطني حقيقي يعتمد على الإنتاج وتشجيع الاستثمار ومحاربة البطالة، بدلاً من تحويل الشوارع إلى أسواق للمتاجرة بسلامة الناس وقوتهم اليومي.
والله من وراء القصد

