الينابيع الساخنة جعلت الزرقاء مركزاً للاستشفاء

أكد أستاذ علم الآثار في كلية الملكة رانيا للآثار بالجامعة الهاشمية، الدكتور محمد وهيب، أن محافظة الزرقاء كانت على مدى آلاف السنين مركزاً طبيعياً للاستشفاء، بفضل الينابيع والعيون الساخنة التي انتشرت على امتداد وادي الزرقاء، قبل أن تغور معظمها في باطن الأرض، فيما بقيت أسماء مثل «السخنة» شاهداً على هذا الإرث الطبيعي والتاريخي.
وقال وهيب إن منطقة السخنة ارتبطت بالتلال الأثرية التاريخية، حيث كان الأجداد يقيمون في تل السخنة الشمالي وتل السخنة الجنوبي، ويهبطون إلى وادي الزرقاء الذي وفر لهم المياه والأسماك، والتي شكلت مصدراً رئيساً لغذائهم قبل آلاف السنين.
وأضاف أن التنقيبات الأثرية في عدد من المواقع كشفت عن هياكل عظمية لأسماك نهر الزرقاء، فيما أشار رحالة من القرن الثامن عشر إلى مشاهدة مئات الأسماك التي كان يصطادها الصبيان من النهر ويعرضونها للبيع، مؤكداً أن الينابيع الساخنة والعذبة كانت تمتد على الطريق القديم الواصل بين عمان والزرقاء وجرش.
وأوضح وهيب أن تقارير علماء المستحاثات وثقت وجود أنواع من الحيوانات المائية التي تجاوز طول بعضها سبعة أمتار، إضافة إلى تماسيح ضخمة كانت تعيش في نهر الزرقاء، مشيراً إلى أن المياه الساخنة كانت تستخدم أيضاً في أعمال الغسيل والتنظيف بسبب ارتفاع درجات حرارتها.
وأشار إلى أن الدراسات الميدانية تؤكد أن الإنسان استوطن منطقة وادي الزرقاء منذ نحو مليونين ونصف المليون عام، لافتاً إلى أن الأدوات الصوانية المكتشفة في المنطقة تضاهي، بل تتفوق في بعض جوانبها، على الأدوات الألدوانية المكتشفة في تنزانيا، وكذلك الأدوات الصوانية في موقع دمساني بجورجيا.
وبين وهيب أن عدداً من العلماء باتوا يرجحون أن يكون ظهور أقدم إنسان على سطح الأرض قد حدث في وادي الزرقاء، وليس في أفريقيا كما كان يُعتقد سابقاً، الأمر الذي يفتح آفاقاً علمية وسياحية جديدة للوادي، ويعزز مكانته بوصفه أحد أهم أودية العالم القديم إلى جانب وادي النيل ووادي الرافدين.
ولفت إلى أن وادي الزرقاء كان يشكل ممراً رئيساً للقوافل التجارية القادمة من الجزيرة العربية باتجاه بصرى الشام ومدينة جرش، وكانت الينابيع الكبريتية والدافئة المنتشرة على امتداد الوادي محطة للاستراحة والاستشفاء، حيث كان المسافرون يستحمون فيها للتخفيف من عناء السفر قبل مواصلة رحلاتهم.
وأوضح أن الينابيع ارتبطت أيضاً بعادات اجتماعية، من أبرزها حمام العريس الذي كان يسبق مراسم الزفاف، إلى جانب كون ضفاف الوادي ملتقى للأهالي والأطفال خلال فصلي الربيع والصيف.
وأشار وهيب إلى أن معظم تلك الينابيع غارت في باطن الأرض مع مرور الزمن، إلا أن بعض آثارها ما تزال قائمة، ومن بينها الحمام الساخن الواقع عند مدخل وادي الزرقاء من جهة محافظة جرش، والذي لا يزال يقصده الزوار للاستحمام.
وأكد أن إعادة إحياء تراث وادي الزرقاء بدأت فعلياً من خلال إعداد دراسات لرسم المسارات السياحية ونشرها، تمهيداً لمرحلة تطوير سياحي تسهم في إبراز القيمة التاريخية والأثرية والبيئية للوادي.
الزرقاء – إبراهيم أبو زينة/ الدستور

