انتخابات رئاسة “النواب”.. كتل تضاعف تحركاتها ولا خيارات نهائية حتى الآن

مع اقتراب موعد افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس النواب في الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، بدأت الكتل النيابية تتحرك بصورة أكثر وضوحا في ملف انتخابات رئاسة المجلس والمكتب الدائم، بعد أسابيع من تداول الأسماء والاتصالات غير المعلنة، من دون أن تتبلور حتى الآن، خيارات نهائية أو مواقف واضحة بشأن المترشحين.
كتلة حزب مبادرة أعلنت اجتماعا أول من أمس، فيما عقدت كتلة الميثاق اجتماعا لها أمس وتتجه لعقد اجتماع آخر لحسم الخيارات الأسبوع المقبل. بينما أعلنت كتلة حزب الأمة بدورها اجتماعا لبحث المرحلة المقبلة.
كما أن كتلا أخرى ستعقد اجتماعات مرتقبة، وهي تحركات تأتي في وقت لم يعد فيه هامش المناورة الزمنية واسعا، ما يضع المشاورات أمام اختبار الحسم، بعد فترة طويلة نسبيا من جس النبض وانتظار اتجاهات المشهد.
المفارقة؛ أن الكتل التي يفترض بأن تكون الإطار الطبيعي لصناعة التفاهمات داخل المجلس، بدت الفترة الماضية أقرب لمراقبة حركة الأسماء وانتظار ما ستؤول إليه الاتصالات، بدلا من التقدم بمواقف واضحة تساعد على رسم ملامح التسوية.
ليس في ذلك انتقاص من حق الكتل في التشاور، أو من أهمية التوافق، فانتخابات رئاسة المجلس تحتاج بطبيعتها لحوار وتفاهمات واسعة، وقد يكون الوصول لمترشح توافقي خيارا مناسبا لتأمين انطلاقة مستقرة للدورة الجديدة، لكن ما يستحق السؤال هو سبب تأخر هذه الحوارات في التحول إلى قرارات، ولماذا يبدو الحسم مؤجلا إلى الأمتار الأخيرة، بينما موعد افتتاح الدورة معروف سلفا، والاستحقاق يتكرر وفق جدول دستوري واضح، فهل السبب داخلي تنظيمي أم خارجي؟
المعروف بأن الكتلة السياسية لا تختبر فقط عندما تعلن أسماء مترشحيها، بل أيضا في قدرتها على المبادرة وصياغة موقف والتفاوض انطلاقا منه. أما أن تبقى المشاورات معلقة بانتظار إشارة من هنا أو تسوية من هناك، فإن ذلك يحد من الدور الذي يفترض أن تؤديه الكتل في صناعة القرار النيابي.
ومع دخول الاجتماعات المرتقبة على خط الحسم، تبدو الأيام المقبلة أشبه بالأشواط الإضافية في مباراة، كان يفترض أن تتضح معالمها قبل ذلك بوقت كاف، فهل تخرج الكتل من اجتماعاتها بخيارات محددة، وتنتقل من انتظار “الدخان الأبيض” للمساهمة في صنعه؟ أم أن الحسم سيبقى رهنا بتفاهمات اللحظة الأخيرة، لتجد الكتل نفسها أمام تسوية جاهزة لا يبقى لها سوى إعلان القبول بها؟
وفي مسار مستقل عن انتخابات رئاسة مجلس النواب، بدأ رئيس الوزراء د. جعفر حسان لقاءاته الدورية المقررة مع الكتل النيابية، باجتماع مع كتلة الميثاق، على أن تتواصل اللقاءات مع بقية الكتل تباعا، وفق البرنامج المحدد لها.
وتندرج هذه اللقاءات في إطار التواصل الدوري بين الحكومة والكتل، ومناقشة القضايا العامة والأولويات المطروحة في الدورة الثالثة، ولا ترتبط بمشاورات انتخاب الرئيس أو التفاهمات المتعلقة بالمكتب الدائم.
وبينما تسير اللقاءات الحكومية وفق برنامجها، تبقى انتخابات الرئاسة مسؤولية نيابية داخلية، يفترض أن تحسمها الكتل والنواب عبر مشاوراتهم وتفاهماتهم. من هنا، فإن اجتماعات الأسبوع المقبل، ستكون مهمة ليس فقط لما قد تسفر عنه من أسماء، بل لما ستكشفه عن قدرة الكتل على ممارسة دورها في تشكيل القرار، بدلا من انتظار اكتمال التسوية ثم الانضمام إليها.
امتحان الدورة الجديدة
وبعيدا عن حسابات الرئاسة، فإن الدورة الثالثة تحمل ملفات تشريعية مهمة، في مقدمتها مشروع قانون الضمان الاجتماعي، وهو ملف يتطلب نقاشا معمقا يوازن بين استدامة النظام وحماية حقوق المشتركين والمتقاعدين. وهذا ما يجعل اختيار هيئة رئاسية قادرة على إدارة النقاشات بجدية وتوازن أكثر من مجرد استحقاق لتوزيع المواقع.
في النهاية، قد يظهر الدخان الأبيض قريبا، وقد تنجح الاتصالات في إنتاج توافق واسع، لكن السؤال الذي سيبقى مطروحا هو حول: ما إذا كانت الكتل قد شاركت فعلا في صنع هذا التوافق، أم اكتفت بانتظار من يحمل إليها المفتاح. فمع اقتراب الثاني من تشرين الثاني، لم يعد المطلوب مجرد اجتماعات إضافية، بل قرارات تليق بدور الكتل، وتثبت أنها شريك في صناعة المشهد النيابي لا مجرد طرف ينتظر اكتماله.

