اَلِاسْتِقْلَال: إِرْثُ الْأَمْجَادِ وَعِزُّ الْأَحْفَادِ// د. أحمد محمد عقلة الزبون

يَحْتَفِلُ الْأُرْدُنِيُّونَ فِي الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ أَيَّارَ مِنْ كُلِّ عَامٍ بِعِيدِ اسْتِقْلَالِ الْمَمْلَكَةِ الْأُرْدُنِيَّةِ الْهَاشِمِيَّةِ الثَّمَانِينَ، وَفِي هَٰذَا الْيَوْمِ الْمَجِيدِ نُجَدِّدُ فَخْرَنَا بِمَسِيرَةِ وَطَنِنَا الَّذِي بَنَاهُ الْآبَاءُ وَالْأَجْدَادُ، وَنُكْمِلُ بِنَاءَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِهِمَّةٍ وَعَزِيمَةٍ وَاقْتِدَارٍ، فَالِاسْتِقْلَالُ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَارِيخٍ مَضَى، بَلْ هُوَ قِصَّةُ عِشْقٍ سَطَّرَهَا الْأَجْدَادُ، وَسَنَبْقَى نَسْرُدُ أَحْدَاثَهَا بِلِسَانِ الْفَخْرِ إِلَى كُلِّ الْأَجْيَالِ الْقَادِمَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَسَتَبْقَى رَايَةُ اسْتِقْلَالِنَا خَفَّاقَةً فِي وَجْهِ الظُّلْمِ وَالطُّغْيَانِ، تُرَفْرِفُ بِالْحُرِّيَّةِ وَالْعِزَّةِ وَالْإِبَاءِ، فَكُلُّ عَامٍ وَوَطَنُنَا الْأُرْدُنِيُّ بِخَيْرٍ، وكُلُّ عَامٍ وَأَهْلُ الْأُرْدُنِّ يَتَغَنَّوْنَ بِأَمْجَادِهِمْ وَرِفْعَتِهِمْ وَعِزَّتِهِمْ، وَكُلُّ عَامٍ وَقَائِدُ الْوَطَنِ بِأَلْفِ خَيْرٍ وَصِحَّةٍ وَسَلَامَةٍ.
وَيَطِيبُ لَنَا وَنَحْنُ نَشْهَدُ غَمْرَةَ احْتِفَالَاتِنَا بِهَٰذَا الْيَوْمِ الْعَظِيمِ أَنْ نَذْكُرَ بِأَنَّ الْأُرْدُنَّ لَيْسَ وَلِيدَ لَحْظَةِ زَمَنٍ قَرِيبٍ، وَلَا يَنْتَمِي لِأَمْسٍ مَضَى، وَلَا يَخْضَعُ عُمْرُهُ الزَّمَنِيُّ لِلْعُقُودِ وَالْمِئَاتِ مِنَ السِّنِينَ فقط؛ بَلِ امْتَدَّتْ جُذُورُهُ لِتَصِلَ إِلَى أَعْمَاقِ التَّارِيخِ، وَتَغَنَّى بِوُجُودِهِ وَمَكَانَتِهِ الشُّعَرَاءُ وَالأُدَبَاءُ وَالنُّقَّادُ وَالْمُثَقَّفُونَ وَالرَّحَّالَةُ فِي كَافَّةِ الأَزْمِنَةِ وَالْعُصُورِ؛ مُنْذُ الْعَصْرِ الْجَاهِلِيِّ وَمُرُورًا بِالْعُصُورِ الإِسْلَامِيَّةِ الأُولَى، وَحَتَّى الْعَصْرِ الْحَدِيثِ. وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنِ افْتِتَانِ الشعراء القدامى بِهَذَا الثَّرَى الأُرْدُنِيِّ الطَّهُورِالَّذِي مَا عَرَفَ غَيْرَ الْمَنَعَةِ وَالْعِزَّةِ وَالسِّيَادَةِ، وَذَٰلِكَ عِنْدَمَا أَشَارُوا بِقَصَائِدِهِمْ وَمُعَلَّقَاتِهِمْ إِلَى حَوَاضِرِ الْأُرْدُنِّ وَأَنْهَارِهَا وَبَوَادِيهَا كَرَمْزٍ لِلِاسْتِقْلَالِ والْمَنَعة وَالْعِزَّةِ وَالسِّيَادَةِ، وَمَصْدَرٍ لِلنِّعَمِ وَالْخَيْرِ وَسَطَ الصَّحْرَاءِ الْقَاسِيَةِ، فَهَٰذَا حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ شَاعِرِ الرَّسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَظَمَ شِعْرًا مُتَغَنِّيًا بِالْأَيَّامِ الْخَوَالِي الَّتِي قَضَاهَا فِي الْحَوَاضِرِ التَّارِيخِيَّةِ بِبِلَادِ الشَّامِ وَالْأُرْدُنِّ، وذلك في العصر الجاهلي قبل إسلامه في القرن السادس الميلادي تقريباً ، فَيَقُولُ:
لِمَنِ الدَّارُ أَوْحَشَتْ بِمَعَانِ … بَيْنَ أَعْلَى اليَرْمُوكِ فَالخُمَّانِ
فَالقُرَيّاتِ مِن بَلاسَ فَدارَيـ … ـا فَسَكّاءَ فَالقُصورِ الدَواني
وَهُنَا يَقِفُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ عَلَى أَطْلَالِ الدِّيَارِ الَّتِي عَاشَ فِيهَا زَمَنًا مَلِيئًا بِالسَّعَادَةِ، إِذْ يَتَسَاءَلُ بِحُزْنٍ عَنْ أَصْحَابِ الدِّيَارِ الَّتِي أَصْبَحَتْ مُوحِشَةً وَخَالِيَةً بَعْدَ أَنْ فَارَقَهَا سُكَّانُهَا وَجَافَاهَا أُنْسُهَا، وَيَذْكُرُ هُنَا مَعَانَ الَّتِي كَانَتْ مَحَطًّا لِقَوَافِلِ التِّجَارَةِ آنَذَاكَ، وَيَسْتَذْكِرُ نَهْرَ الْيَرْمُوكِ وَالْخُمَانَ -أَوِ الصُّمَانَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ- وَهِيَ مَوَاقِعُ وَمَنَاهِلُ مَاءٍ تَقَعُ فِي ظَاهِرِ الْبَلْقَاءِ وَالشَّامِ، وَهُنَاكَ مَنْ يُحَدِّدُ الْمَوْقِعَ الْجُغْرَافِيَّ لِلْخُمَانِ بِالتَّحْدِيدِ فِي مِنْطَقَةِ جَنُوبِ الْعَاصِمَةِ عَمَّانَ ضِمْنَ لِوَاءِ الْجِيزَةِ، وَيُعْرَفُ هَٰذَا الْمَكَانُ وَفْقًا لِسِجِلَّاتِ الْأَرَاضِي الْأُرْدُنِّيَّةِ الرَّسْمِيَّةِ الْيَوْمَ بِاسْمِ حَوْضِ الْخُمَانِ الْجَنُوبِيِّ وَحَوْضِ الْخُمَانِ الشَّمَالِيِّ، وَهُوَ تَابِعٌ لِقَرْيَةِ اللَّبَنِ الْوَاقِعَةِ جَنُوبَ عَمَّانَ.
وَيَقِفُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ عَلَى الْأَطْلَالِ مَرَّةً أُخْرَى فَيَقُولُ:
أسَأَلْتَ رَسْمَ الدَّارِ أَمْ لَمْ تَسْأَلِ … بَيْنَ الجَوَابِي فَالبُضَيْعِ فَحَوْمَلِ
فَالمَرْجِ مَرْجِ الصُّفَّرَيْنِ فَجَاسِمٍ … فَدِيَارِ سَلْمَى دُرَّساً لَمْ تُحْلَلِ
وَهُنَا يُخَاطِبُ حَسَّانُ نَفْسَهُ مُتَسَائِلًا وَالْأَسَى يَعْصِرُ قَلْبَهُ عَلَى رَسْمِ الدِّيَارِ الَّتِي عَفَا رَسْمُهَا مِنَ الْمَكَانِ إِذْ لَمْ يَعُدْ لَهَا وُجُودٌ إِلَّا فِي قَلْبِهِ: أَمْ هَلْ تَمَّ الْمُرُورُ مِنْهَا بِدُونِ سَائِلٍ؟ وَيَذْكُرُ بَعْضَ الْأَمَاكِنِ الَّتِي لَمْ يَعَفُ رَسْمُهَا مِنْ ذَاكِرَتِهِ وَقَلْبِهِ مِثْلَ الْجَوَابِي، وَهِيَ صِيغَةُ الْجَمْعِ وَالْمَقْصُودُ بِهَا الْجَابِيَةُ، وَتَقَعُ بِالْقُرْبِ مِنَ الْحُدُودِ الشَّمَالِيَّةِ لِلْأُرْدُنِّ، حَيْثُ كَانَتِ الْجَابِيَةُ الْعَاصِمَةَ السِّيَاسِيَّةَ وَالْعَسْكَرِيَّةَ وَمَقَرَّ الْحُكْمِ لِمُلُوكِ الْغَسَاسِنَةِ آلِ جَفْنَةَ فِي بِلَادِ الشَّامِ، وَكَانَتْ تَشْتَهِرُ بِحِيَاضِ وَبِرَكِ الْمَاءِ الْوَفِيرَةِ وَالْعُيُونِ الْجَارِيَةِ.
وَفِي الْخِتَامِ، أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَلِيَّ الْقَدِيرَ أَنْ يُبَارِكَ فِي الْأُرْدُنِّ وَأَهْلِهِ، وَأَنْ يُدِيمَ عَلَيْهِ نِعْمَةَ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْلَالِ وَالِاسْتِقْرَارِ، فِي ظِلِّ حَضْرَةِ صَاحِبِ الْجَلَالَةِ الْهَاشِمِيَّةِ الْمَلِكِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّانِي ابْنِ الْحُسَيْنِ الْمُفَدَّى، وَوَلِيِّ عَهْدِهِ الْأَمِينِ سُمُوِّ الْأَمِيرِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، إِنَّهُ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ.
بقلم د. أحمد محمد عقلة الزبون
جامعة البلقاء التطبيقية
كلية عجلون الجامعية

