بعد منتصف الليل// سعيد ذياب سليم

شقت أضواء السيارات سديم الليل كالشهب، وداعب هواءُ الليل الوجوهَ، فترقرقت الذكريات على شطآن القلب بعد أن أيقظتها الموسيقى المنسابة.
وقفت السيارات عند أعتاب المزرعة في موكبٍ أُسريٍّ دافئ، وتدفق منها الرجال والنساء والصغار، تسبقهم ضحكاتهم نحو شاطئ البحيرة ومرافق المكان الهادئة، وكأنما جاءوا لينزعوا ثوب هذا الصمت ويستريحوا تحت سعف النخيل.
ليلٌ مظلم، ونخلاتٌ رشيقاتٌ طوالٌ يلتففن حول بحيرة صغيرة، تلعب النسمات بجدائلهن كما تلعب بجدائل الصبايا. ينظرن إلى أسفل مختالاتٍ بقلائدهن، يبتسمن ويتهامسن بالأسرار كلما هبّت الريح، وكم من الأسرار يطوي قلب الليل!
وفي تلك الأثناء، قفز الأطفال إلى البحيرة، وقد ارتدى كلٌّ منهم ما يعينه على الطفو فوق سطح الماء: بالونات للذراعين، وسترات نجاة، وحلقات أمان. غير أن طفلاً منهم بكى بصوت عالٍ؛ صرخ وحاول السباحة، لكنه لم يستطع لعدم توفر ما يناسبه من أدوات الطفو، فقد انزلق جسمه الصغير من حلقة الأمان، ولم يستطع اللحاق بصديقته الصغيرة التي كانت تسبح إلى جواره.
ابتلَّ وجهه بالدمع وماء البحيرة، وبكى صارخًا، ثم أخذ يُنهْنِهُ بكاءه حتى تردد صدى نشيجه من حولنا، فأقلق صراخه الحفل المقَام حول البحيرة، ولم يفلح أحدٌ في إسكات بكائه أو معرفة ما الذي أبكاه.
ومع ذلك، لم يتوقف حديث الماء ولا خريره، بل ظل يجري كأن شيئًا لم يكن، ولم يتريث ليسأل: ما الخبر؟
استمر الأمر كذلك حتى نهضت جنية النخل من سباتها، فنظرَت من سريرها في أعلى النخلة متبينةً مصدر الصوت، ثم قفزَت من علياها إلى البحيرة، وغطسَت في الماء كما تفعل طيور البحر. اغتسلَت وطفَت على السطح بجسمها الأثيري الذي لا يراه إلا الأطفال، ودنت من الطفل فأصابه السحر، وتوقف عن البكاء ليقرأ شفتيها؛ كانت تومئ له للحاق بها واللعب حول البحيرة.
وعلى الجانب الآخر، في زاوية بعيدة إلى حدٍّ ما، اجتمع عدد من الأصدقاء حول النار، يشعلونها ويهيئونها لحفلة الشواء، بينما كانت الفتيات يُعدِدنَ اللحم ويضعنه على الشبك، انتظارًا لخمود اللهب واستواء الجمر.
تَوزَّع الجمع في فئات كأسراب الطيور، وانزلقت أجنحتهم فوق تيارات الليل الهادئ، يحومون حول البحيرة وتحت عرائش الحكايات، تتخلل جلساتهم همساتٌ وضحكات خجولة.
وكانت جنية النخل، بجسمها الأثيري، تدور بين الجميع، تنثر السحر وتلعب بالقلوب، والأطفال يدورون معها؛ يقفزون إلى البحيرة إذا قفزت، ويهرولون حولها يمسكون أذيالها ويميلون معها أينما مالت.
دنت الجنية من الموقد ونفخت في ناره، فتطاير الشرر واشتعلت الجذوة، وعلا صوت هسيس الدهن وطشطشته، وانتشرت في الجو رائحة لذيذة، فضحك الأطفال وفرّوا من أمام أعمامهم وأخوالهم الذين حاولوا تصبيرهم لبعض الوقت. ثم خطفت ورقةً من أوراق اللعب من يد أحدهم وألقتها في الماء، فلحقها الطفل الذي نسي البكاء وانتشلها. رقصت فَرَقَصوا، وغنّت فَغَنّوا، وتردد في قلوبهم جميعًا صدى الجمال والحب، فيما ظلت جنية النخل تصنع فوق صفحة الماء تموجاتٍ تتسع وتتسع، تاركةً أثر سحرها في الناس والمكان.
وبعد جولة المرح تلك، ساد الهدوء بين مجموعة الأطفال؛ فانسل بعضهم بين من يلعبون الورق، بينما التف آخرون حول طاولة البلياردو يصفقون هاتفين للفائز. أما هو، الطفل «الضاحك»، فقد جلس إلى جوار صديقته، يمسك هاتفه ويشرح لها قواعد لعبة رقمية: كيف يحرك بطله للحصول على أعلى الدرجات، وهي تنصت إليه وتبتسم كجدة عجوز.
وفجأةً، اشرأبت الأعناق تتلمس روائح الشواء اللذيذة، وارتفعت وسط الضحكات أصواتٌ تنادي القائمين على إعداد المائدة:
— هيا.. أهلكنا الجوع!
— هل تتلذذون بعذابنا؟ ما الذي يؤخركم؟
— الرحمة.. الرحمة!
ثم نادى صاحب الدعوة:
— هيا إلى المائدة!
انطلقنا في سباق ضاحك نتخاطف الأماكن كما لو كنا نلعب لعبة الكراسي الموسيقية. وساد صمتٌ وسكينةٌ لا تُسمَع فيهما إلا قرمشةُ الخبز المحمص، وطقطقةُ الأسنان وهي تغوص في اللحم الطري المشبع بالدهن، بين مضغٍ وكرعٍ وتأوهات إعجاب؛ إنها طقوس الاحتفال بالمرح والحياة.
حتى إذا امتلأت البطون، تفرّق الجمع في كسل؛ فهذا يدور محاولاً تخفيف حمله، وذاك جلس مؤنبًا نفسه: “ماذا فعلت أيها الشره؟”، والبعض يوزع الأقراص المساعدة للهضم كمن يوزع الحلوى، وجنية النخل تضحك متعجبةً من سلوك الناس أسياد الأرض.
وفي تلك الأثناء، تمدد كهلان وقد أسندا رأسيهما إلى ساعد الليل الحنون، يتنقلان في غابة الفكر من أجمة إلى أخرى، بين غموض التاريخ وسحر العلم ورقة الفن، في انتظار أن يخلع الليل عباءته، ويأوي إلى مغارته. بينما انزوى آخرون يتبادلون أحاديث خاصة، وكان هناك قلبان صغيران يتهامسان، والحب حينها عازف الليل المتأخر.
مضت سويعات بعد منتصف الليل، نام الطفل في حضن أمه، وعلى شفتيه ابتسامة صغيرة. وفي مكان ما من الحلم، كانت جنية النخل لا تزال تسبح في البحيرة؛ تارةً مقبلةً وتارةً مدبرة، والماء من حولها يسرد الحكاية.
وحلقة الأمان تطفو بهدوء على سطح البحيرة.

