بمواصفات عالمية.. كيف يعيد “كورنيش البحر الميت” رسم الخريطة السياحية للمنطقة؟

البحر الميت – يشكّل مشروع كورنيش البحر الميت إضافةً نوعيةً واستثنائيةً للمنتج السياحي الأردني، إذ نجح في تحويل الواجهة البحرية لأخفض بقعة في العالم من مجرد منطقة عبور أو شواطئ مخصصة للفنادق إلى متنفس عام ومنطقة جذب متكاملة تدعم السياحة الداخلية والخارجية على حد سواء.
ويمتد المشروع، الذي صُمّم ليكون صديقًا للبيئة ومتناغمًا مع الطبيعة الجغرافية الفريدة للبحر الميت، على طول الشاطئ، ليوفر رؤية بانورامية واضحة لغروب الشمس.
ويضم الكورنيش أرصفة واسعة، وممرات مخصصة للمشاة، وأخرى لركوب الدراجات الهوائية، مما يشجع على نمط الحياة الصحي والسياحة الرياضية، في حين تم تزويد الموقع بمناطق مظللة، ومقاعد خشبية وحجرية مصممة وموزعة بطريقة تضمن الخصوصية للعائلات، مع إطلالة مباشرة على البحر، مما يضفي أجواءً جمالية ساحرة خلال الفترة المسائية.
قيمة مضافة للمنتج السياحي
ويبين مهتمون أن القطاع السياحي في منطقة البحر الميت كان ينقسم قبل افتتاح مشروع الكورنيش بين فنادق مغلقة وشواطئ مفتوحة تفتقر إلى الخدمات اللوجستية، إلا أن الكورنيش، بما يوفره من مزايا، جاء لسد هذه الفجوة، مشيرين إلى أن البحر الميت لم يعد مكانًا للاستجمام العلاجي والإقامة في الفنادق فقط، بل أصبح يضم سياحة التنزه والمشي، ومحطة استراحة مثالية للمغامرين بعد رحلاتهم الجبلية والمائية، نظرًا لقربه من محمية وادي الموجب للمغامرات المائية، والعديد من الأودية، مثل وادي زرقاء ماعين.
ويبين أمين سر جمعية أصدقاء البحر الميت أن كورنيش البحر الميت يمثل نقلة نوعية في فلسفة تطوير المواقع السياحية في الأردن، كونه يدمج بين استغلال الميزة الطبيعية الفريدة للمنطقة وتقديم خدمة مجتمعية ترفيهية ترفع من تنافسية البحر الميت كوجهة عالمية ومحلية لا غنى عن زيارتها.
ويبين أن المشروع وفر خيارًا سياحيًا راقيًا ومنخفض التكلفة للمواطنين والسياح الذين يبحثون عن قضاء ساعات المساء دون الحاجة إلى الحجز الفندقي، لافتًا إلى أن أهمية الكورنيش لا تقتصر على الجانب الجمالي، بل يمثل محركًا اقتصاديًا حيويًا للمجتمع المحلي في المنطقة من خلال إيجاد فرص استثمارية للمشاريع الصغيرة، إذ تم تخصيص مساحات محددة داخل الكورنيش لعربات الطعام المتنقلة، والمقاهي الصغيرة، وأكشاك بيع التحف الشرقية والمنتجات الطبيعية للبحر الميت، كالطين والأملاح.
ويضيف أن المشروع يسهم في توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لأبناء المنطقة في مجالات الإدارة والصيانة والأمن والخدمات السياحية، موضحًا أن وجود ممشى ليلي مخدوم يشجع السياح والمواطنين على البقاء لفترات أطول في منطقة البحر الميت حتى ساعات متأخرة، مما ينعكس إيجابًا على مبيعات المنشآت التجارية القريبة من خلال إطالة مدة إقامة السائح في المنطقة.
تجربة العائلات الأردنية
يقول المواطن أحمد النواجي، الذي زار الكورنيش برفقة عائلته: “كنا في السابق نفتقد وجود مساحات عامة مخدومة ونظيفة في البحر الميت تتيح لنا الجلوس مع الأطفال بحرية ودون تكاليف باهظة. الكورنيش الجديد غيّر المعادلة تمامًا، فالممشى واسع وآمن للأطفال، والخدمات متوفرة، والإطلالة وقت الغروب أصبحت طقسًا عائليًا ننتظره في نهاية كل أسبوع.”
ويضيف أن مشروع الكورنيش، بالإضافة إلى مشروع متنزه الأمير حسين، وفر بيئة سياحية طالما طالبنا بضرورة توفيرها لتحريك عجلة النشاط السياحي وزيادة إقبال السياحة العائلية، خصوصًا من ذوي الدخل المحدود، موضحًا أن الأيام التي شهدت إقامة احتفالات عيد الاستقلال شهدت إقبالًا كبيرًا من الزوار من مختلف مناطق المملكة، ما يدل على نجاح مثل هذه المشاريع في استقطاب أعداد أكبر من السياح والزوار.
ويعبر الزائر علاء موسى عن إعجابه بالمشروع قائلًا: “إن تدشين ممشى محاذٍ لمياه البحر الميت أضاف خيارًا رائعًا لمحبي الرياضة في الهواء الطلق، خصوصًا مع وجود مسارات مخصصة للدراجات والمشاة، صُممت بمواصفات ممتازة لممارسة الرياضة في أخفض بقعة في العالم”، مضيفًا: “الأجواء الرائعة تمنح طاقة إيجابية لا مثيل لها، وهي إضافة كبيرة تضاهي مثيلاتها في العالم.”
ويضيف: “في كل مرة أزور فيها المنطقة كنت أجد صعوبة وعدم راحة في الجلوس في الأماكن المفتوحة، كونها غير مخدومة وتفتقر إلى أدنى المقومات اللازمة، لكن افتتاح هذا المتنفس الحيوي منح المنطقة روحًا جديدة كنا بحاجة ماسة إليها، فوجود المقاهي والجلسات المنظمة جعل من الشاطئ مكانًا ينبض بالحياة ويمدد ساعات الاستمتاع بالمنطقة، خصوصًا خلال ساعات المساء.”
الأثر الاقتصادي والتنموي للمنطقة
في الوقت الذي أعلنت فيه المجموعة الأردنية للمناطق الحرة والمناطق التنموية أن كورنيش البحر الميت وشاطئ البحر الميت استقطبا ما يقارب 40 ألف زائر خلال أيام عيد الأضحى، أكدت أن هذا العدد يعكس حجم الإقبال الكبير على المشاريع السياحية والترفيهية التابعة للمجموعة، والتي أصبحت وجهات رئيسة للعائلات والزوار خلال المناسبات والأعياد.
ويرى مختصون أن تنامي الحركة السياحية سيجلب النفع إلى المنطقة بأكملها، سواء من خلال تحريك عجلة الاقتصاد أو توفير فرص عمل جديدة، مشددين على أهمية استدامة هذه المشاريع لجذب الأعداد المتزايدة من الزوار، خصوصًا خلال ساعات المساء والليل.
ويؤكد رئيس غرفة تجارة الشونة الجنوبية، عبد الله محمد العدوان، أن مشروع كورنيش البحر الميت لا يمثل مجرد إضافة جمالية للمنطقة، بل محركًا اقتصاديًا إستراتيجيًا ينتظر أن ينعكس إيجابًا على الواقع التنموي والتجاري في لواء الأغوار الجنوبية والمناطق المحيطة، مضيفًا: “إن افتتاح هذا الممشى الحيوي يفتح آفاقًا جديدة ومباشرة أمام الاستثمارات الصغيرة والمتوسطة لأبناء المجتمع المحلي، ولا نتحدث فقط عن توفير متنفس للمواطنين، بل عن خلق بيئة حاضنة للمشاريع الصغيرة، كالمقاهي وأكشاك بيع المنتجات الطبيعية والتحف، وهو أمر سيسهم بشكل مباشر في الحد من ظاهرتي الفقر والبطالة في المنطقة.”
وينوه إلى أن المشروع، بالإضافة إلى المشاريع الحيوية الأخرى، يلعب دورًا كبيرًا في تنشيط الحركة التجارية الشاملة، قائلًا: “كانت المنطقة تعاني سياحيًا من سياحة الموسم الواحد أو اليوم الواحد، التي تقتصر على الفنادق المغلقة والحركة الجيدة خلال أيام العطل، أما اليوم فإن مشروع الكورنيش سيسهم في إطالة مدة إقامة السائح وخلق حركة تجارية مسائية نشطة، مما يحفز القطاعات التجارية والخدمية المغذية للمنطقة، ويدفع باتجاه تطوير البنية التحتية والاستثمارية لتلبية الطلب المتزايد من الزوار.”
الرؤية الإستراتيجية والمستقبلية
وكانت المجموعة الأردنية للمناطق الحرة والمناطق التنموية قد أكدت أن مشروع كورنيش البحر الميت يمثل ترجمة حقيقية للتوجيهات الملكية الرامية إلى تعزيز تنافسية المنتج السياحي الأردني، ووضع البحر الميت على خريطة السياحة العالمية كوجهة متكاملة وجاذبة للاستثمار.
وأضافت أن هذا المشروع يعد نقطة تحول في إستراتيجية تطوير منطقة البحر الميت، إذ يهدف إلى إعادة تعريف تجربة زائر البحر الميت عبر توفير فضاءات عامة تجمع بين الترفيه والرياضة والطبيعة الفريدة للمنطقة، موضحة أن الكورنيش ليس مجرد ممشى، بل بنية تحتية نموذجية مهيأة لاستقطاب استثمارات سياحية وتجارية نوعية.
وحول الخطط المستقبلية والمراحل القادمة للمشروع، أوضحت المجموعة أنها تعمل حاليًا وفق مخطط شمولي متكامل يتضمن طرح المزيد من الفرص الاستثمارية الواعدة للقطاع الخاص والمجتمعات المحلية في المراحل المقبلة، لتشمل تطوير مناطق ترفيهية متخصصة، ومطاعم ومقاهي ذات إطلالات بانورامية، بالإضافة إلى توفير خدمات لوجستية متطورة وسياحة مغامرات مائية بالتعاون مع المحميات الطبيعية المحيطة، بما يضمن ديمومة المشروع ورفد الاقتصاد الوطني.
وتلفت المجموعة إلى أنه تمت مراعاة أعلى المعايير في تقديم الخدمات لزوار الكورنيش لضمان تجربة مريحة وآمنة، إذ تم توفير مواقف سيارات واسعة ومنظمة تستوعب أعدادًا كبيرة من المركبات والحافلات السياحية، ووحدات صحية عامة ونظيفة موزعة على طول الممشى، إلى جانب سلال مهملات مخصصة لإعادة التدوير للحفاظ على نظافة البيئة، إضافة إلى تعزيز السلامة والأمان من خلال الحراسة المستمرة، وأنظمة المراقبة، واللوحات الإرشادية والتوعوية، لضمان سلامة المتنزهين وتوفير بيئة سياحية مثالية.

