“بوابة العقبة”.. نموذج استثماري يعزز التشغيل المحلي ويدعم ريادة الأعمال

العقبة- يجسد مشروع “بوابة العقبة” قصة تنموية لا تروى بالأرقام وحدها، وإنما بكونه مساحة تتقاطع فيها الفرص مع الأمل، ويجد فيها أبناء المدينة فسحة للانطلاق نحو الريادة والإبداع.
ويشكل المشروع التابع لشركة الضمان للاستثمار، مزيجا بين الاستثمار التجاري والتأثير المجتمعي منذ أن افتتحه جلالة الملك عبد الله الثاني نهاية العام 2004 برؤية واضحة وبداية لتحول اقتصادي واجتماعي.
وفي هذا المشروع، وجد شباب العقبة وذوو الهمم مكانا يمنحهم فرصة الانطلاق، فمن خلال هذا المشروع اكتسبت المدينة منصة حقيقية لدعم الطاقات الريادية المحلية، وتحقيق التشغيل المستدام، وتجسيد مفهوم الاستثمار كرافعة مجتمعية تتجاوز المعايير التقليدية، وتحتضن إنسانية المكان وأحلام أبنائه.
عمر الدوسري الذي كان يحلم بإطلاق مشروع رياضي بحري في مدينته، لكنه افتقر إلى الدعم والتمويل، يقول إنه وعبر إحدى مبادرات بوابة العقبة، حصل على مساحة صغيرة للإيجار بسعر رمزي ودعم للمبادرات النوعية، مؤكدا أنه اليوم، ومن خلال بوابة العقبة، أصبح يدير ورشة للغوص تستقطب زوارا من داخل الأردن وخارجه، ووفر فرصتي عمل إضافيتين من خلال مشروعه.
أما أم محمد، وهي من سيدات العقبة اللاتي يتقن عمل المنتجات الغذائية، فتقول إنه تردد على مسامعها أن سوق “جار البحر” تمت إعادة إحيائه واحتضانه في بوابة العقبة بعد توقف خمس سنوات، فاستأجرت كشكا صغيرا داخل البوابة، وخلال عام واحد تضاعف دخلها الذي تصرفه على أبنائها في المدارس والجامعات، وأصبحت تدرب فتيات أخريات على صناعة المنتجات الغذائية.
وأضافت “صار عندي زبائن من السواح، وكل مرة حدا يشتري، بحس إني قادرة أعمل فرق”.
وبالنسبة لخالد، وهو من ذوي الهمم، فقد وجد في بوابة العقبة مساحة لبيع التحف اليدوية التي يصنعها وشقيقته بنفسه، مؤكدا أن المشروع وفر له ليس فقط مصدر دخل، بل شعورا بالكرامة والاستقلال.
وأضاف “أنا مش بس ببيع منتجات.. أنا بعرف العالم على قدرتي وإبداعي”.
هذه القصص وغيرها الكثير، تعكس الروح الحقيقية للمشروع وتعد وجها آخر للاستثمار لا يقاس بالربح فقط، بل بما يخلفه من أثر في النفوس والبيوت، ففي ظل نسبة إشغال تجاوزت 87 %، ومجتمع تجاري يزدهر بالماركات العالمية من مطاعم مختلفة، تثبت بوابة العقبة أن التنمية لا تكتمل دون الإنسان، وأن العقبة ليست فقط ميناء وجمالا طبيعيا، بل مدينة تنبت أحلاما وتمنحها فضاء للنمو.
اقتصاد إنتاجي محلي
وبحسب الخبير الاقتصادي محمد أبو الرب، فإن مشروع بوابة العقبة نموذج مصغر لاقتصاد إنتاجي محلي، يعيد تعريف العلاقة بين الاستثمار والتشغيل المجتمعي، فعندما ينجح مشروع واحد في توفير 260 فرصة عمل مباشرة، فهذا يعني أن رأس المال تحول إلى قيمة مضافة حقيقية، وليس مجرد أصول جامدة، مؤكدا أن ما يلفت النظر في بوابة العقبة هو تركيزه على الشركات الصغيرة والمتوسطة، وهي الفئة التي تشكل العمود الفقري لأي اقتصاد مستدام، ودعم هذه المشاريع ضمن بيئة تنظيمية مرنة، وفي منطقة اقتصادية خاصة، يعزز من قدرة الشباب على دخول السوق.
وأضاف أبو الرب أن العقبة، بموقعها الجغرافي الفريد، تملك قدرة على أن تكون منصة لوجستية وتجارية إقليمية، ومثل هذه المشاريع، رغم صغرها، حين تدار برؤية مجتمعية، تسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة من التشغيل إلى الاستهلاك إلى إعادة الاستثمار، وهذا ما نحتاجه اليوم في الأردن؛ اقتصاد لا يستهلك فقط، بل يبني ويمكن.
من جانبه، يروي النائب السابق عبيد ياسين من ذاكرة المكان، ويقول “إن بوابة العقبة مساحة للناس. رأيت شبابا كانوا بلا عمل، أصبحوا أصحاب مشاريع، وشاهدت سيدات من أحياء بسيطة يبعن منتجاتهن للسياح، المجمع أصبح ملتقى للناس ومصدر فخر للمدينة”، مؤكدا أن الزوار يشعرون بروح العقبة، وأن هذا المشروع أعاد للمدينة نبضها، وجعل من الاستثمار قصة إنسانية تروى.
وأضاف ياسين “هكذا تتجلى بوابة العقبة كمثال حي على كيف يمكن للمشاريع الاقتصادية أن تتجاوز حدود الربح، لتصبح جزءا من نسيج المجتمع، تزرع الأمل، وتعيد رسم ملامح الحياة في مدينة بحرية تنشد التقدم دون أن تفقد روحها”.
بدوره، قال مفوض الشؤون الاقتصادية والاستثمار، الدكتور محمد أبو عمر “إن مجمع بوابة العقبة، التابع لشركة الضمان للاستثمار، يعد نموذجا مهما للاستثمارات النوعية في المنطقة الخاصة، ويسهم بشكل مباشر في تنشيط الحركة الاقتصادية وخلق فرص عمل مباشرة”، مشددا على “أهمية دعم المشاريع القائمة وتوسعتها، وتعزيز الشراكة الفاعلة بين القطاعين العام والخاص بما يحقق التنمية المستدامة”.
وأضاف أبو عمر “أن السلطة تحرص على توفير البيئة المحفزة والداعمة للاستثمار، والتواصل المباشر مع المستثمرين للاطلاع على التحديات والفرص المتاحة، والعمل على تذليل التحديات أمام توسع المشاريع القائمة واستقطاب الاستثمارات الجديدة”.
ويقول المدير العام لشركة الضمان للاستثمار، معتصم العودات “إن التصميم المعماري والهندسي لمجمع بوابة العقبة يحاكي تضاريس العقبة وجبالها، ما يضفي عليها طابعا بصريا يجمع بين الحداثة والتاريخ، وبحجم رأسمال فعلي بلغ 15 مليون دينار، ووفر المشروع أكثر من 260 وظيفة من خلال 24 عقد عمل، ومشاريع تجاوزت نسبة الإشغال الحالية فيها 87 %”.
وأكد أن مجمع بوابة العقبة يقع في القلب التجاري السياحي لمدينة العقبة، ويضم داخله نشاطات تجارية متنوعة من مطاعم ومراكز خدمات ترفيهية، وأنشطة ريادية سياحية، ويحتضن مبادرات شبابية في أنشطة مختلفة، ومشاريع منزلية لسيدات المجتمع المحلي.
العلامات التجارية المهمة
وبين العودات أنه خلال العامين الماضيين، وبعيدا عن التحديات التي تواجه منطقة العقبة من الأوضاع الإقليمية المحيطة التي أثرت وبشكل واضح على أغلب العاملين بهذه القطاعات والأنشطة، إلا أن الهدف تمثل في التمسك بضرورة العمل واستقطاب العلامات التجارية المهمة، سواء العالمية منها أو المحلية، للعمل في العقبة.
وأشار إلى أن المشروع استطاع توفير بيئة عمل جاذبة، وذلك بتوفير أكثر من 260 فرصة عمل حقيقية من أبناء المحافظة وأبنائنا القاطنين في العقبة، عبر 24 عقدا فعليا مع شركات عالمية وأفراد، مما يشير إلى قدرة المجمع على تحويل الاستثمار إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، مبينا أنه “خلال العامين 2023 و2024، وبالتعاون مع جمعيات قائمة على رعاية أطفالنا، منها جمعية الثغر وجمعية التوحد، عملنا مبادرة إبداع”.
كما نوه العودات إلى التشاركية مع سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، والأذرع التابعة لها من مفوضية المدينة والسياحة والاستثمار، كونها المظلة الرئيسية في المحافظة، مقدرا “جهودهم الحثيثة في العمل والتعاون مع المجمع والجهات الأخرى، ونتطلع خلال الربع الأخير من هذا العام إلى أن تكون هناك بوادر عودة للحركة السياحية والنقل للمنطقة”.
وأوضح أنه تم تصميم البوابة بانسجام معماري يحاكي تضاريس العقبة وجبالها، ما أضفى عليها طابعا بصريا يجمع بين الحداثة والتاريخ، وبرأسمال فعلي يصل إلى 15 مليون دينار أردني.
وأضاف “نولي اهتماما خاصا بالشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تعد العمود الفقري لأي اقتصاد محلي ناجح، وضمن هذا التوجه تم احتضان مبادرات شبابية في قطاعات متعددة، منها الرياضات البحرية، ومشاريع منزلية لسيدات من المجتمع المحلي، وأكشاك مخصصة لذوي الهمم، بالإضافة إلى احتضان عدد من الناشطين على منصات التواصل الاجتماعي، الذين باتوا ينقلون صورة حيوية عن العقبة وعن الدور المتنامي لمشاريعها السياحية في دعم الطموحات الفردية”.
وقال العودات “إن نسبة الإشغال في المجمع وصلت إلى 87 %، وهي من أعلى النسب في المجمعات التجارية، ويمتلك قدرة تشغيلية متقدمة، لا سيما أن موقع العقبة الجغرافي يمنح المشروع أبعادا اقتصادية وإستراتيجية واسعة، كونه يقع ضمن منطقة اقتصادية خاصة توفر بيئة محفزة للمستثمرين من حيث الإعفاءات الجمركية، والمرونة التنظيمية، وتوفر البنية التحتية”.

