بين الاستعراض والواقع // بكر عبد الحافظ الخليفات

حينما يتحول طلب القرب والنسب إلى محاضرات في الأدب والفلك والتاريخ والجغرافيا في كثير من الجاهات المستحدثة على غير منوال الجاهات الماضية .

ففي الماضي القريب كانت “الجاهة” طقساً اجتماعيّاً بسيطاً وهادفاً؛ يذهب كبار القوم لطلب يد العروس، يتبادلون كلمات التقدير البسيطة دون تهويل بثوانٍ معدودة، يشربون القهوة، وينتهي الأمر بكلمة “مبارك”. لكن في عصرنا “المستحدث”، تحولت الجاهة من خطوة بركة تؤسس لبناء أسرة، إلى منصة استعراضية تجمع بين عقدة النقص وحب الظهور، يديرها بعض الأحيان  بعض “السادة”  هم من نوع خاص، يُستوردون خصيصاً لإبهار الحضور بوجاهة ركيكة.

وتبدأ الحكاية .. تبدأ ببحث مضنٍ من أهل العريس عن “واجهة” تناسب برستيج العائلة الطامحة للتباهي. لا يهم إن كان هذا الشخص يعرف العريس أو سمع به أو بأبيه من قبل، المهم هو لقبه الرنان الذي يسبق اسمه: “صاحب السعادة او صاحب … ِأو صاحب … “. يدخل هذا السعيد  (الذي ربما لم يبتسم في وجه مواطن طوال مسيرته المهنية) إلى الصالة محاطاً بهالة مصطنعة، ويد مرتفعة عنان السماء تستقبل التحايا .. وبعد برهة تراه ممسكاً بالميكروفون وكأنه يستعد لإلقاء بيان إعلان الحرب.

وبدلاً من الدخول في الموضوع واختصار وقت الناس، يقرر فجأة أن يمارس ساديته الثقافية على الرؤوس المحملقة فيه فيبدأ سعادته بالحديث في الدين بـفقه سطحي لا يتجاوز معرفة “نافخ الكير” بأجرام درب التبانة وثقوبها السوداء. ولأن مخزونه الديني ينضب سريعاً بعد البسملة والحمدلة، يقرر بمرونة فائقة تحويل الخطبة إلى توليفة سريالية:

درس في الجغرافيا: يحلل تضاريس المنطقة، ونسب الرطوبة، وموقع قريتهم من التكتلات السياسية الإقليمية.

محاضرة في التاريخ: يسرد أمجاداً لم تحدث، وينبش قبوراً شبعت موتاً، ليربط طهارة الطين بقداسة السلالة.

ثم يعرج على علم الأنساب والانتماء: يوزع صكوك الوطنية والقرابة يمنة ويسرة، بسهولة ويسر يُحسد عليها، وكأنه يملك كوشان الأرض ومن عليها.

والحضور؟ يجلسون صامتين، يبتلعون ريقهم في طقس جماعي من الصبر الإجباري، وتتلاقى الأعين في دعاء صامت موحد: “ليته يصمت!” ولكنه لا يصمت، بل يزيد ويكثر، منتشياً بصوت دوي وصفير الميكروفون  ورؤية الوجوه الواجمة الواقفة على أعصابها بانتظار رشفة القهوة. لا بل بانتظار صُحين الكنافة ولا ضير إن كانت خشنة أم ناعمة….

وبعد أن يشعر “صاحب ال….” بأنه أشبع نرجسيته، وظن الحضور أن الفرج قد حان، يقرر الانتقال أخيراً إلى المهمة الرسمية التي جاء من أجلها. وهنا تبدأ الكوميديا السوداء.

عندما يحاول قراءة آية كريمة تحث على الزواج والمودة والرحمة، يتلاشى الكبرياء المصطنع فجأة، وتراه يتلعثم كطفل في الصف الأول الابتدائي يحاول فك الخط أمام ناظر المدرسة. تختفي الفصاحة “المستحدثة” وتظهر الـ “تأتأة” العميقة، في مشهد يعكس الهوة السحيقة بين ادعاء المعرفة وحقيقتها، ليثبت للجميع أن كل تلك البلاغة السابقة لم تكن سوى قشرة خارجية لا تلزم.

ثم يأتي المشهد الختامي وهو الذروة السريالية؛ ليعرج الخطيب على حديث صاحب الدين والخلق بتوليفة التأتأة السابقة، ثم يبدأ بسرد مناقب الخاطب ومحاسنه. يشهد له بحسن الدين، والالتزام، والخلق الرفيع، والمستقبل الباهر، وكأنهما تقاسما رغيف الخبز وتربيا معاً في ردهة واحدة.

ولكن، ما إن يأتي وقت تسمية اسم هذا (الممدوح )العريس “التقي النقي”، حتى تقع الصدمة:

تمتد يده إلى جيب بنطاله الأيمن.. فلا يجد شيئاً سوى الفراغ.

تنتقل اليد المسعوفة بسرعة إلى الجيب الأيسر.. والجمهور يحبس أنفاسه.

ترتفع اليد بحركة بهلوانية يائسة إلى جيب البدلة الداخلي.

في هذه الأثناء، يتحول الحضور إلى “ملقنين” في مسرحية فاشلة، حيث يرتفع همس جماعي حاد من الصفوف الأولى لتغشيشه اسم العريس الذي شهد له بالدين والخلق قبل ثوانٍ! أخيراً، يستخرج قصاصة الورق الصغيرة، الملتصقة بباطن أحد الجيوب المخفية. تلك الجيوب التي تشبه تماماً جيوب الفقر في مجتمعنا؛ ردهاتها واسعة وعميقة، ساهم هو وأمثاله في سعة مساحتها بقراراتهم السابقة، لكنها اليوم مخفية تماماً وراء سحابة كثيفة من دخان سيجاره الكوبي الفاخر.

يقرأ الاسم أخيراً بنبرة عالية هذه المرة ليطلب القرب والنسب، فيأتي بعدها الرد بالموافقة تماما بنفس السيناريو السابق، ثم يجدد فنجان القهوة الذي نالت منه لسعة من البرودة، ويدب الهرج المرج – بعد الصمت السابق – الممزوج بنكهة الكنافة .. ليغادر بعدها صاحب السعادة الجلسة وهو أول المغادرين بسيارته الفارهة، يغادر الجلسة وهو ينفث سحابة  من الدخان وراءه، متناسياً أنه لم يترك وراءه في تلك الصالة سوى رائحة تبغ غالية، وجيوب فارغة، ووجاهة مستحدثة لم تغير من واقع حال ما اتفقت عليه منذ البداية نسوة أهل الخاطبين .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة