بين شح الموارد وتعدد المرجعيات.. كيف يكمن إصلاح قطاع المياه؟

 

عمان- بينما يخوض الأردن معركته المستمرة لتعزيز أمنه المائي في ظل محدودية الموارد وارتفاع الطلب، يبرز تحد آخر لا يقل أهمية يرتبط بكيفية إدارة هذا القطاع الحيوي.

فالمسألة لا تتعلق فقط بتوفير مصادر جديدة للمياه، وإنما أيضا بمدى قدرة المنظومة المؤسسية على العمل بانسجام، في ظل تعدد الجهات المعنية وتداخل الاختصاصات، وهو ما يضع الحوكمة وكفاءة التنسيق في صميم أي نقاش حول مستقبل قطاع المياه.
تعدد المرجعيات
في هذا السياق، يلفت تقرير الراصد العربي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعام 2025، إلى أن التحدي المائي في الأردن لا يرتبط بالعوامل الطبيعية وحدها، رغم أن المملكة تعد من أكثر دول العالم فقرا بالمياه، بل يمتد إلى جوانب تتعلق بإدارة القطاع، بما في ذلك تعدد المرجعيات المؤسسية، وارتفاع مستويات الفاقد المائي، وتفاوت مستوى الخدمات بين المناطق، والحاجة إلى تعزيز الأطر التي تضمن المساءلة والرقابة والحق في الحصول على مياه آمنة ومستدامة.
وتشير القراءة المؤسسية لواقع القطاع إلى أن تعدد الجهات ذات العلاقة، بما فيها المؤسسات الرسمية المعنية بالمياه والإدارات المحلية والجهات المساندة في الظروف الطارئة، يعكس أهمية وجود إطار أكثر تكاملا يحدد الأدوار والمسؤوليات بصورة دقيقة، ويعزز التنسيق بين مختلف الأطراف.
فالتحدي لا يكمن في تعدد الجهات بحد ذاته، وإنما في ضمان تكامل أدوارها ضمن منظومة واضحة تمنع التداخل وتدعم سرعة اتخاذ القرار وفاعلية التنفيذ.
وتشير التحليلات إلى أن الحاجة لمواصلة تطوير نموذج الحوكمة في قطاع المياه، عبر بناء إطار تشريعي أكثر شمولية يوحد المرجعيات الناظمة للقطاع، ويواكب حجم التحديات الحالية والمستقبلية.
كما تتجه الرؤى الإصلاحية إلى إعادة تنظيم هيكل المؤسسات العاملة في القطاع بما يرفع الكفاءة التشغيلية ويعزز القدرة على جذب الاستثمارات والشراكات، بما في ذلك تطوير نموذج أكثر فاعلية لإدارة الأصول وتنفيذ المشاريع الكبرى، والاستفادة من الخبرات والتكنولوجيا الحديثة في مجالات خفض الفاقد وتحسين كفاءة التشغيل.
مرجعية الإصلاح
وللإجابة عن مدى الحاجة إلى إعادة النظر في الهيكل المؤسسي للقطاع، يستند الأمين العام الأسبق لوزارة المياه والري م. إياد الدحيات، في تصريحات لـ”الغد”، إلى رؤية التحديث الاقتصادي بصفتها المرجعية الوطنية للإصلاح، موضحا أن “الرؤية وضعت إطارا عاما لإدارة المياه في المملكة”.
ويرى الدحيات أن ما أورده تقرير الراصد العربي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بشأن تعدد الجهات المعنية بقطاع المياه وتداخل صلاحياتها، وغياب جهة تنظيمية مستقلة، يعكس جانبا أساسيا من التحديات التي تواجه إدارة القطاع، مؤكدا أن المرحلة الحالية، تتطلب “إجراء إصلاحات هيكلية شاملة في قطاع المياه لبناء نموذج حوكمة مؤسسي حديث ومستدام يتوافق مع الأهداف الإستراتيجية لرؤية تحديث القطاع العام”.
ويقول الدحيات إن رؤية التحديث الاقتصادي، التي أطلقت العام 2022 برعاية ملكية سامية، رسمت خريطة طريق واضحة لتعزيز الأمن المائي، باعتباره “الركيزة الأساسية لإفساح المجال للنمو الاقتصادي والنهوض بحياة المواطنين، وخاصة الفئات الأكثر هشاشة، وتعزيز مبادئ الحوكمة الرشيدة والشفافية”، مشيرا إلى أن تنفيذ مشاريع كبرى في التحلية، وخفض فاقد المياه، وتقليص العجز المالي، يتطلب بيئة مؤسسية أكثر كفاءة ووضوحا في توزيع الأدوار والمسؤوليات.
ويؤكد أن إعادة النظر في الهيكل المؤسسي الناظم لقطاع المياه أصبحت ضرورة، تبدأ بـ”توحيد مصادر التشريع والأحكام القانونية المتعددة التي تنظم عمل قطاع المياه وتداخلاته مع القطاعات الأخرى في قانون واحد شامل بحجم تحدي المياه”، بما يضمن استقرار التخطيط طويل الأمد للموازنة المائية وعدم تأثره بتعاقب الإدارات، ويسهم في استقرار التزويد المائي وإدارة العرض والطلب واستمرار تنفيذ المشاريع الرأسمالية بكفاءة.
ويدعو لأهمية أن يعيد هذا القانون تنظيم مهام ومسؤوليات مؤسسات القطاع، من خلال “تطوير وترشيق حجمها الإداري”، استنادا إلى مفاهيم الإدارة المتكاملة للموارد المائية، وتعزيز اللامركزية في تقديم خدمات المياه والصرف الصحي، وتطبيق آليات المحاسبة والمساءلة، إلى جانب إشراك القطاع الخاص وأصحاب المصلحة في صنع القرار وبناء شراكات إستراتيجية تستقطب الخبرات والاستثمارات.
ترسيخ ثقافة الرقابة
وفيما يتعلق بغياب جهة تنظيمية مستقلة، يعتبر الدحيات أن “ترسيخ ثقافة الرقابة المبنية على الأدلة والبيانات الدقيقة في صنع القرار المؤسسي، وتجسيد مبدأ الفصل بين الجهات التنفيذية والرقابية”، يستوجب إنشاء وحدة لتنظيم قطاع المياه تتولى مراقبة أداء شركات المياه الحكومية وعقود الإدارة وفق مؤشرات أداء ملزمة، معتبرا أن ذلك “يعد أساسيا لأي إصلاح حقيقي يهدف لخدمة المواطن وحماية الموارد”.
كما يوصي بضرورة تعزيز دور وزارة المياه والري لتصبح “مسؤولة بشكل كامل عن كافة مصادر وموارد المياه وتطويرها وإدارتها”، بما يشمل إدارة المياه الجوفية والسطحية، وتنظيم عمليات الترخيص، ومراقبة استغلال الموارد المائية، وإدارة السدود وأنظمة نقل المياه، بما يضمن وحدة القرار ورفع كفاءة إدارة الموارد.
ويطرح الدحيات إعادة هيكلة سلطة المياه من خلال تحويلها إلى شركة قابضة وطنية تمتلك شركات توزيع المياه والأصول والمنشآت التابعة للقطاع، لتتولى إدارة هذه الأصول، وتنفيذ المشاريع الاستثمارية، والتواصل مع المؤسسات الدولية والجهات المانحة لتوفير التمويل اللازم، إلى جانب “وضع الضوابط لتعظيم الاستفادة من هذا التمويل، ومتابعة تنفيذ مشاريع المياه والصرف الصحي في كافة مناطق المملكة”.
ويشدد على أن الشركة القابضة المقترحة ستوفر إطارا أوسع لإشراك القطاع الخاص، سواء في تمويل وتنفيذ المشاريع الإستراتيجية، أو من خلال شراكات مع شركات عالمية متخصصة، أو عبر الاستفادة من التكنولوجيا وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في “تخفيض فاقد المياه وتدقيق استهلاك الطاقة في مرافق المياه والصرف الصحي”، بما يسهم في رفع كفاءة القطاع وتحقيق استدامته.
ويجدد الدحيات تأكيده على أن دور سلطة وادي الأردن يجب أن يتركز في إدارة الري وشؤون المزارعين، وتعزيز كفاءة استخدام مياه الري، وإدخال الزراعة الذكية مناخيا والمنتجات الزراعية ذات القيمة الاقتصادية المرتفعة، بما يدعم الأمن الغذائي الوطني ويحسن استدامة استخدام الموارد المائية.
الحاجة لهيئة تنظيمية
وتضع تقارير صادرة عن شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية، بالتعاون مع عدد من منظمات المجتمع المدني في الأردن، قضية المياه ضمن إطار أوسع من كونها مجرد مورد اقتصادي أو خدمة أساسية، لتؤكد أنها حق إنساني يرتبط بضرورة ضمان وصول الجميع إلى مياه آمنة ونظيفة وبكلفة مناسبة، ضمن منظومة تقوم على الحوكمة الرشيدة والمساءلة والشراكة المجتمعية.
وتشير القراءة التي يقدمها التقرير الخاص بالأردن إلى أن التحدي المائي لا يرتبط فقط بمحدودية الموارد الطبيعية، رغم تصنيف المملكة ضمن أكثر دول العالم فقرا بالمياه، بل يمتد إلى عوامل مؤسسية وإدارية تؤثر في قدرة القطاع على الاستجابة للضغوط المتزايدة.
ومن بين هذه العوامل تعدد المرجعيات، وتفاوت مستويات الخدمات بين المناطق، وارتفاع نسب الفاقد المائي، والحاجة إلى تطوير الأطر التي تعزز الرقابة والمساءلة على السياسات العامة.
وفي الجانب المؤسسي، يلفت التقرير إلى وجود منظومة تتوزع فيها المسؤوليات بين عدد من الجهات، تشمل وزارة المياه والري وسلطة المياه وسلطة وادي الأردن والبلديات، إلى جانب أدوار مساندة تظهر في بعض الحالات الطارئة.
ويرى أن هذا التنوع في الأدوار، رغم أهميته في إدارة قطاع حيوي بهذا الحجم، يتطلب إطارا أكثر وضوحا للتنسيق وتحديد المسؤوليات، بما يحد من تداخل الاختصاصات ويرفع كفاءة اتخاذ القرار.
كما ينوّه التقرير إلى أن غياب هيئة تنظيمية مستقلة ذات صلاحيات رقابية واضحة يمثل أحد الجوانب التي تحتاج إلى مزيد من التطوير، باعتبار أن وجود جهة رقابية فاعلة يمكن أن يسهم في تعزيز الشفافية، وقياس الأداء، وتحسين مستوى الخدمات، ودعم مسار الإصلاح المؤسسي في قطاع المياه.

 

 إيمان الفارس/ العد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة