بيوت ماعين التراثية وأسواقها.. حكايات المكان تسكن الحجر

 

مادبا – في بلدة ماعين، تتشكل ملامح المكان من طبقات متراكمة من التاريخ والذاكرة، تتداخل فيها البيوت التراثية مع الأزقة القديمة والسوق الذي كان يوما قلب الحياة اليومية، فتبدو البلدة كأنها لوحة حية رسمتها الحجارة وملامح أهلها عبر السنين.

وفي ماعين، لا تبدو البيوت التراثية مجرد جدران قديمة تقاوم الزمن، ولا يظهر السوق القديم مجرد مساحة كانت تعج بالباعة والمتسوقين، بل تبدو الحكاية كلها وكأنها سجل مفتوح لذاكرة المكان، تحفظه الحجارة قبل أن تحفظه الكتب، وتستعيده الذاكرة الشعبية كلما مر عابر بين الأزقة أو وقف أمام بيت قديم ما تزال ملامحه تقاوم النسيان.
في هذه البلدة التي ارتبطت بالحياة الريفية والاجتماعية، تتداخل العمارة مع الذاكرة، ويتحول البيت من مأوى إلى وثيقة، والسوق من مكان للبيع والشراء إلى شاهد على حياة اقتصادية واجتماعية كانت تشكل قلب ماعين النابض. فالمكان هنا لم يكن مجرد مساحة للسكن، وإنما فضاء تشكلت فيه علاقات الناس، وتوارثت فيه العائلات تفاصيل الحياة، وبقيت البيوت والأزقة والساحات شاهدة على زمن كانت فيه الحياة اكثر التصاقا بالأرض والإنسان.
وتكشف البيوت القديمة عن نمط معماري ارتبط ببيئة المكان وموارده وطبيعة الحياة فيه؛ حجارة محلية، جدران سميكة، أقواس وأبواب خشبية، وساحات داخلية، وهي عناصر لم تكن مجرد حلول إنشائية، بل تعبيرا عن خبرة تراكمت لدى أبناء البلدة في البناء والتكيف مع البيئة والحفاظ على الخصوصية.
ومن بين هذه البيوت ما يزال بعضها يحتفظ بملامحه الأولى، فيما تعرض بعضها الآخر للتغير أو الهدم أو الإهمال، الأمر الذي يجعل الحفاظ على ما تبقى منها مسؤولية ثقافية وسياحية، لأن خسارة البيت التراثي ليست خسارة للحجارة وحدها، وإنما فقدان لصفحة من تاريخ المكان وذاكرته.
ويرى الفنان التشكيلي خالد الجفيرات أن البيوت القديمة تحمل قيمة فنية وبصرية كبيرة، لأنها تختزن علاقة الإنسان بالمكان في تفاصيلها الصغيرة، من شكل الحجر إلى توزيع الأبواب والنوافذ والأقواس. فالبيت التراثي بالنسبة للفنان لوحة صنعتها يد الإنسان، ثم أضاف الزمن إليها ألوانه وظلاله آثاره.
ويشير الجفيرات إلى أن الفنان حين يقف أمام بيت قديم لا يرى حجارة متراصة فقط،إنما يقرأ طبقات من الضوء والظل والملمس، ويرى آثار الأيدي التي بنت أصلحت، ولذلك إن إبقاء هذه البيوت حاضرة يمكن أن يجعل منها مصدرا للإلهام الفني وعنصرا مهما في تشكيل صورة ماعين الثقافية والسياحية.
أما المهندس المعماري والفنان التشكيلي رعد ذيبان، فينظر إلى عمارة ماعين القديمة بوصفها نتاجا طبيعيا لعلاقة الإنسان بالبيئة، موضحا أن البناء التقليدي جاء منسجما مع طبيعة الأرض، واعتمد على مواد محلية وأساليب إنشائية تلائم المناخ والحياة الاجتماعية.
ويرى ذيبان أن إعادة الاعتبار لهذه العمارة تبدأ بالتوثيق الدقيق لما تبقى منها، ثم ترميمها وفق أسس تحافظ على هويتها الأصلية، لأن الترميم الحقيقي ليس إنشاء مبنى جديد بملامح قديمة، وإنما إنقاذ الذاكرة المعمارية والمحافظة على روح المكان.
ولا يمكن فصل البيوت القديمة عن السوق القديم، فالسوق كان امتدادا طبيعيا للحياة التي احتضنتها تلك البيوت.
كانت الحركة تبدأ من البيت وتنتهي في السوق، ومن السوق تعود الأخبار والحكايات والسلع إلى البيوت.
وكان السوق مساحة يلتقي فيها الفلاح والتاجر والحرفي، وتتجاوز وظيفته البيع والشراء إلى التواصل والتعارف وتبادل الأخبار.
ويستعيد المواطنون في ماعين صورا من ذلك الزمن، حين كانت الدكاكين الصغيرة تعرف أصحابها وزبائنها، وكانت الوجوه مألوفة، والأصوات متداخلة، والسوق مكانا للقاء قبل أن يكون مكانا للتجارة.
وكان وجود السوق يمنح المنطقة المحيطة به حيوية خاصة، فيما شكلت البيوت القريبة منه امتدادا طبيعيا للحركة اليومية.
ويؤكد المواطن فهد غالب أن السوق القديم كان جزءا من الحياة اليومية لأهالي ماعين، وأن قيمته لا ترتبط بما كان يباع فيه فقط، بل بما كان يمثله من ذاكرة اجتماعية. ففيه كان الناس يلتقون ويتبادلون الأخبار ويقضون حاجاتهم، وكانت البيوت المحيطة به تشكل امتدادا طبيعيا لهذه الحياة.
أما محمد الموازرة، فيرى أن ما بقي من البيوت والسوق القديم يستحق التوثيق والاهتمام، لأن الأجيال الجديدة بحاجة إلى معرفة كيف عاش الآباء والأجداد، وكيف شيدوا بيوتهم، وكيف نظموا حياتهم، وكيف كان السوق مركزا للحركة الاقتصادية والاجتماعية في البلدة.
ويضيف الموازرة أن كثيرا من تفاصيل الحياة القديمة لم تعد موجودة إلا في ذاكرة كبار السن، وهو ما يجعل توثيق الروايات الشفوية ضرورة لا تقل أهمية عن توثيق المباني. فالصورة القديمة والوثيقة والرواية الشعبية وشهادة صاحب البيت كلها أجزاء من قصة واحدة ينبغي جمعها قبل أن يغيب أصحاب الذاكرة وتختفي التفاصيل.
ومن بين الذين تحمل ماعين في ذاكرتهم علاقة خاصة بالمكان الدكتور زيدون حدادين، الذي عندما يأتي إلى البلدة تنتعش ذاكرته بأيام الصبا، فتستعيد صورا قديمة للأحياة والبيوت والناس، وكان المكان ما يزال قادرا على فتح أبواب الزمن واستعادة تفاصيل كانت جزءا من الحياة اليومية.
ويرى حدادين أن ما يميز ماعين ليس الحجر وحده، وإنما الإنسان الذي عاش داخله ومنحه معناه؛ فالبيت القديم كان يحمل أصوات أهله ودفء مجالسهم وطقوس حياتهم، وكانت البيوت والساحات والشوارع والسوق تشكل نسيجا اجتماعيا واحدا.
ومن ضمن البيوت التي جرى ترميمها بيت المرحوم هيثم حدادين، الذي يمثل نموذجا على إمكانية استعادة البيوت القديمة وإعادة تقديمها بوصفها جزءا من الذاكرة المعمارية للبلدة. فالترميم عندما يحترم البناء الأصلي يستطيع أن يعيد للبيت حضوره، ويمنحه فرصة جديدة ليكون شاهدا حيا على الماضي.
ويؤكد رئيس لجنة بلدية مادبا الكبرى المهندس هيثم جوينات أن الموروث العمراني في مناطق المحافظة يشكل جزءا من الهوية المحلية، وأن الحفاظ على البيوت القديمة يمكن أن يتكامل مع تطوير المشهد السياحي والثقافي، داعيا إلى التعاون بين البلدية وأبناء المجتمع المحلي والجهات المختصة لحصر البيوت التراثية وتوثيقها ودراسة إمكانات ترميمها وإعادة توظيفها.
ويرى جوينات أن السوق القديم في ماعين يمكن أن يكون جزءا من مسار تراثي وسياحي، إذا جرى التعامل معه باعتباره نسيجا تاريخيا متكاملا، وإعادة تأهيله بطريقة تحافظ على ملامحه وتعيد إليه الحياة، بما يخدم البلدة وأبناءها والزائرين.
وتبدو الحاجة اليوم ملحة إلى مشروع متكامل لتوثيق البيوت التراثية والسوق القديم، يبدأ بالحصر والتصوير وتسجيل تاريخ المباني وروايات أصحابها، ثم ترميم البيوت القابلة لإنقاذ وتحويل بعضها إلى بيوت ضيافة أو فضاءات ثقافية وحرفية، ليصبح التراث جزءا من الاقتصاد المحلي ومن الحياة المعاصرة.
كما يمكن أن يشكل السوق القديم نقطة انطلاق لمسار سياحي داخل ماعين، يربط بين العمارة التقليدية والحياة الشعبية والمنتجات المحلية والحرف اليدوية، ويمنح الزائر فرصة للتعرف إلى البلدة من خلال ذاكرتها، لا من خلال المشاهدة العابرة فقط. فالسياحة الحديثة تبحث عن التجربة الاصيلة وقصة المكان، وهي عناصر تمتلكها ماعين إذا ما جرى الحفاظ عليها وتقديمها بصورة تليق بقيمتها.
وفي ماعين، تبدو الحجارة اكثر قدرة على الكلام حين نصغي إليها؛ فكل باب قديم يفتح على حكاية، وكل قوس يحمل اثرا ليد بنته، وكل زقاق يختزن وقع خطوات عابريه، وكل دكان في السوق القديم يحتفظ بصورة من زمن كان الناس فيه اكثر التصاقا بالمكان.
لهذا فان الحفاظ على بيوت ماعين التراثية وسوقها القديم ليس ترفا عمرانيا، وإنما دفاع عن ذاكرة المكان وهويته. فالتراث حين يبقى حيا لا يتحول إلى عبء على الحاضر، بل يصبح جسرا يصل الماضي بالمستقبل، وموردا ثقافيا وسياحيا واقتصاديا يمكن للأجيال الجديدة أن تبني عليه.
وماعين، التي ما تزال تحتفظ ببقايا هذا النسيج القديم، تمتلك فرصة لأن تجعل من ذاكرتها رافعة للمستقبل.
فإذا أنقذت بيوتها من النسيان، وأعادت الحياة إلى سوقها القديم، وفتحت ذاكرتها أمام الفنانين والباحثين والزوار، إنها لن تستعيد الماضي فحسب، بل ستمنح الحاضر معنى جديدا، وتكتب لنفسها فصلا آخر في كتاب المكان.
إنها حكاية حجر لم يتعب من الوقوف، وذاكرة بشرية ترفض أن تنطفئ، وبلدة يمكن أن تجعل من تراثها جسرا بين الأمس والغد؛ بحيث لا يبقى البيت القديم شاهدا على زمن مضى، بل يصبح جزءا حيا من مستقبل ماعين وهويتها الثقافية والسياحية.

الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة